يعرف التاريخ ما لا يقل عن تحولين في نمط الواقع. وقد وصلتنا ثلاثة شواهد عليهما، تتضافر معًا لتشكّل أطروحة أنطولوجية.
التحول الأول: تحول بيولوجي.
يخبرنا القرآن أن نوحًا عليه السلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا (29:14). وليس هذا مجازًا ولا لأن «السنين كانت تُحسب بطريقة مختلفة»، بل هو شهادة مباشرة على أن النمط البيولوجي لوجود الإنسان كان مختلفًا. إن حالة واحدة موثوقة تكفي لتبيّن أن عامل «مدة الحياة» ليس ثابتًا مطلقًا، بل متغيرًا مرتبطًا بالعصر. وبعد نوح انتهى ذلك النمط.
التحول الثاني: تحول أنطولوجي، وهو إغلاق القناة بين العوالم.
وقد شهد عليه شاهدان مستقلان.
الشهادة من الخارج:
ينقل بلوتارخ (حوالي سنة 100م) رواية عن صوت مجهول خاطب بحارة مصريين قائلاً: «لقد مات بان العظيم»، وطلب منهم أن يبلغوا بذلك عندما يصلون إلى الساحل. لقد أخذت الأوراكلات القديمة تصمت، وكان الوثنيون أنفسهم يسجلون ذلك، حتى إن بلوتارخ خصص لهذه الظاهرة رسالة مستقلة بعنوان «عن أفول الأوراكلات».
ومن المهم أن نفهم أن بلوتارخ لم يكن مجرد جامع عابر للأساطير. فقد عاش تقريبًا بين عامي 46 و120 للميلاد، وكان فيلسوفًا ومؤرخًا ومؤلفًا لعشرات الكتب، كما كان كاهنًا في دلفي، المركز الأوراكلي الأهم في العالم اليوناني.
ويميل بعض الناس اليوم إلى تصور القدماء على أنهم كانوا سذّجًا عاجزين عن التمييز بين الحقيقة والخيال. غير أن النخبة الفكرية في العالم القديم كانت من أكثر النخب تعليمًا في تاريخ البشرية. ففي الحضارة القديمة نشأت الفلسفة والمنطق والبلاغة وأسس علم التاريخ والعديد من مناهج التفكير العقلي.
ولهذا فإن الأمر اللافت حقًا هو أن بلوتارخ لم يخصص رسالته لوصف معجزة منفردة، بل لدراسة ظاهرة كان يرى أنها تحدث أمام عينيه. ولم يكن سؤال صمت الأوراكلات مطروحًا بين عامة الناس، بل كان موضوع نقاش بين الفلاسفة والكهنة والمثقفين في العالم القديم.
إن قناة العرافين التي عملت قرونًا طويلة بدأت في التدهور. لكن بلوتارخ لم يكن يدرك ماهية العملية الأكبر التي كان ما يصفه جزءًا منها.
الشهادة من الداخل:
يصف القرآن المرحلة النهائية من العملية نفسها على لسان الجن:
«وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا» (الجن: 8).
فقد كان استراق السمع إلى أخبار السماء ممكنًا في السابق، أما الآن فقد أُغلقت القناة نهائيًا. وتربط الأحاديث النبوية ذلك ببداية الوحي.
تفصل بين الشهادتين خمسة قرون. إنه تحول واحد في النمط، لكنه لم يقع بضغطة واحدة، بل على هيئة سلسلة متدرجة: صمتت الأوراكلات في أواخر العصور القديمة، وتدهورت الكهانة، ثم جاء مع نزول القرآن الإغلاق الكامل. وتأمل قوة هذا البناء: الحدث نفسه شُهد عليه من داخل الوحي ومن خارجه بواسطة مؤلف وثني لم يكن لديه أي دافع للمجاملة أو التأييد. شاهدان مستقلان. وهذا يُعد نوعًا من التعاضد والتعضيد بين الشهادات.
الخلاصة:
إذا اعتبرنا القرآن حقًا، فإن النتيجة تصبح حتمية: إن المعايير الأساسية للوجود ليست أبدية. فالواقع له أنماط، وهذه الأنماط تتغير. إن مدة الحياة، ونفاذية الحدود بين العوالم، وسلوك الزمن نفسه، ليست «قوانين طبيعية» مغروسة في أساس العالم، بل إعدادات تخص حقبة معينة.
وهذا ليس رأيًا مبتدعًا مني، بل هو الخط الرئيس في الفكر الأشعري الكلاسيكي. فقد أكد الإمام الغزالي في كتابه «تهافت الفلاسفة» أن النار لا تحرق القطن بالضرورة الذاتية. فالعلاقة بين السبب والنتيجة هي عادة أجراها الله، ونمط ثابت من الخلق المتجدد. والمعجزة في هذه الأنطولوجيا تُسمى بمصطلح دقيق هو: خرق العادة. وإذا أمكن خرق العادة محليًا في المعجزات، فيمكن كذلك تغييرها على مستوى العصور: كالطوفان، وإغلاق السماء، وطلوع الشمس من مغربها في آخر الزمان.
بل إن علم آخر الزمان نفسه يتطلب مثل هذه الأنطولوجيا. ففي حديث أيام الدجال، لما سأل الصحابة: «اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟» قال النبي ﷺ: «لا، اقدروا له قدره». فالزمن نفسه سيتصرف بطريقة مختلفة في تلك الحقبة، والتكليف الشرعي يتعامل مع ذلك بوصفه واقعًا عمليًا.
وقد يُعترض من داخل المنظومة نفسها بأن القرآن يؤكد ثبات سنة الله: «فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا» (فاطر: 43). ولا تناقض في ذلك إذا ميّزنا بين المستويات. فالثابت هو القوانين الأخلاقية والتاريخية المتعلقة بكيفية معاملة الله للأمم التي تكذب الرسل، أما المتغير فهو المعايير الفيزيائية والأنطولوجية الخاصة بكل عصر. الثابت هو القضاء الإلهي، أما الأنماط فهي إعداداته.
وإذا أخذنا القرآن على محمل الحقيقة وتعاملنا بجدية مع الشهادات المتعلقة بتغير العصور الروحية، من قصة نوح إلى صمت الأوراكلات وتقييد الجن، فإننا نصل إلى نتيجة أعمق: حتى الأسس الجوهرية للوجود الذي ألفناه لا تملك ضرورة مستقلة، بل يمكن أن تتغير بمشيئة الله. وإذا كانت شروط العالم نفسها قابلة للتغير، فلا يوجد شيء يمكن الاتكاء عليه اتكاءً مطلقًا. ولذلك فإن التوجه النهائي والتوكل المطلق ينبغي أن يكونا على الله وحده.
لماذا لا يظهر هذا الاستنتاج في العلم الحديث؟
هناك العلم بوصفه منهجًا: ملاحظة، ثم فرضية، ثم اختبار، ثم محاولة إعادة إنتاج النتائج. وهناك العلم بوصفه سردية ثقافية تقول تقريبًا: «لقد عاش البشر آلاف السنين في الضلال، أما الآن فقد فهمنا أخيرًا كيف يعمل كل شيء». وهذه السردية الثانية تتخلل الثقافة الشعبية والمناهج الدراسية والخطاب العام. فالماضي فيها هو «عصور مظلمة» و«طفولة البشرية»، ونحن نقف على قمة التل. لكن هذا ليس هو المنهج العلمي، بل أيديولوجيا التقدم وقد أُلبست ثوب العلم.
وهذه السردية، لا المنهج، هي التي تحدد طريقة التعامل مع الشهادات القديمة. فقد كان يحدث تاريخيًا أن الروايات عن النبوءات تُصنف تلقائيًا على أنها خرافات، والمعجزات على أنها أساطير، وشهادات المؤلفين القدماء على أنها تعبير عن السذاجة، بل أحيانًا قبل دراسة الحالة نفسها. فكان يعمل مرشح خفي يقول: «هذا مستحيل، لأن نموذجنا للعالم لا يسمح به». وهذا ليس علمًا، بل موقف فلسفي: الطبيعية المنهجية وقد تحولت إلى رؤية شاملة للعالم. فلم يُدحض خبر بلوتارخ عن موت بان، بل جرى استبعاده لأنه لا توجد خانة في النموذج السائد لوضعه فيها.
أما المرشح الثاني فهو مبدأ الانتظام، أي الافتراض بأن قوانين الطبيعة وثوابتها كانت دائمًا كما هي الآن. وهذا افتراض منهجي لا حقيقة مثبتة. ولا يمكن إثباته من حيث المبدأ، لأنه الشرط الذي يسمح أصلًا بإسقاط الحاضر على الماضي. بل إن العلم نفسه يخرقه أحيانًا: كحديثه عن الكون المبكر ذي الفيزياء المختلفة، والتحولات الطورية للفراغ الكوني، ودراسة احتمال تغير ثابت البنية الدقيقة. إن فكرة تغير الأنماط ليست غريبة عن العلم.
لكن الاختلاف الجوهري يكمن في نقطتين. فالنموذج المعاصر يسمح بتغير الأنماط فقط في الماضي الكوني السحيق، قبل التاريخ البشري بمليارات السنين، وفقط بوصفها عمليات عمياء بلا ذات فاعلة ولا غاية ولا معنى.
أما الأطروحة القرآنية فهي أكثر جذرية في الأمرين معًا: فقد تغيرت الأنماط في الزمن التاريخي، ضمن ذاكرة البشرية وداخل حدود التقليد المكتوب، كما أنها تغيرت بمرسوم إلهي مرتبط بأحداث النبوة. فقد انتهى طول الأعمار بعد نوح، وأُغلقت السماء مع نزول آخر وحي، وسيتغير جريان الزمن في أيام الدجال.
وهذا تحديدًا ما تعجز المنظومة السائدة عن استيعابه. ليس لغياب المعطيات، بل لأن قبوله يعني أن تاريخ الوحي يصبح المحور الذي يعاد حوله تشكيل الفيزياء نفسها. وقبول ذلك يعني الاعتراف بأن الأحداث المركزية في تاريخ العالم لم تقع في المختبرات ولا في البرلمانات، بل في سلسلة النبوات الممتدة من نوح إلى محمد ﷺ. وبالنسبة إلى سردية الحداثة التي ترى نفسها «مدينة مضيئة فوق التل»، فإن هذا ليس مجرد تعديل، بل هدم للأساس.
ولهذا يبقى استنتاج لاخطية الوجود خارج الإطار السائد؛ لا لأنه دُحض، بل لأنه أصبح غير مرئي. فعملية التصفية تبدأ قبل أن يبدأ التحليل.
التعليقات