دائمًا كان لدينا أصدقاء مقربون في حياتنا، ثم افترقت بنا الطرق واختفت تلك الصداقات إلى الأبد، أو كادت تنعدم حتى حدّ الاختفاء.

علينا أولًا أن نفرق بين الصديق الحقيقي والصديق المقرب.

في الحقيقة، كلاهما شخصان قريبان منك، تتحدث معهما باستمرار، وتحكي لهما عن مشاكلك وأفكارك، حتى يكاد يصعب التفريق بينهما.

الصديق المقرب ليس صديقًا مزيفًا، بل أراه صديقًا حقيقيًا داخل فترة مغلقة لها بداية ونهاية.

ما معنى ذلك؟

دعنا نتذكر أصدقاء الثانوية الذين كنا نحبهم ونتحدث معهم كثيرًا، ثم اختفوا بعد أن افترقنا في الجامعة. ماذا حدث؟ هل كانت العلاقة مزيفة؟

لا، كانت علاقة صداقة رائعة، لكنها لم تكن مبنية على أشياء كثيرة. كان ما يجمعكم في الأساس هو الدراسة أو البيئة المشتركة. نعم، قد تكون بينكم اهتمامات مشتركة، لكن الاهتمامات لها درجات. فقد يكون الاهتمام المشترك بيني وبينه من الدرجة الثالثة بالنسبة لي، بينما هو من الدرجة الأولى بالنسبة له.

لذلك لا تدوم بعض الصداقات إلى الأبد.

ولو نظرنا إلى كثير من الأشخاص الذين مروا في حياتنا ثم اختفوا، فقد نجد أن هذا الأمر ينطبق عليهم.

نحن نقول إننا نحبهم، أو هم يقولون ذلك، ولكن يجب أن نفرق هنا بين الحب واحترام الحب.

في بعض الأحيان لا نكون حقًا نحب الشخص، بل نحترم حبه لنا.

قد أحب شخصًا بصدق، لكن هذا لا يعني أنه يجب عليه أن يبادلني الشعور نفسه. قد لا يحبني بالطريقة ذاتها، لكنه يحترم مشاعري، فيظهر ذلك الاحترام في صورة تبدو لنا كأنها حب.

ولا يعني هذا أنه يتمنى لك الشر أو يقلل من شأنك، فلا تربط الأمر بطريقة سلبية.

لهذا تنتهي بعض العلاقات؛ لأنها كانت مرتبطة بأشياء مؤقتة، أو بسبب اختلاف كبير في الاهتمامات، أو بسبب ضغط يفرضه أحد الطرفين على الآخر دون قصد، كالعلاقة بين شخص انطوائي جدًا وآخر اجتماعي جدًا، أو بسبب حب غير متبادل.

أما الصديق الحقيقي، فقد نتعرف عليه في الوقت نفسه الذي نتعرف فيه على الصديق المقرب، لكن العلاقة معه تستمر حتى بعد افتراق الطرق.

الصديق الحقيقي تكون الاهتمامات الجوهرية بينكما من الدرجة الأولى لكليكما. يشبهك في أشياء كثيرة، ويحترم مساحتك الشخصية، ولا يشكل عليك ضغطًا دائمًا بسبب اختلافات كبيرة بينكما.

لأن بينكما الأشياء التي تحبانها فعلًا، والاهتمامات التي لا تخجلان من الحديث عنها، والأفكار التي يجد كل منكما نفسه فيها. تحب عقليته، وذكاءه، ونقاء شخصيته، والصورة التي يمثلها في نظرك.

ولا يضعك تحت ضغط لتكون شخصًا آخر، ولا يستخف بشيء تحبه، ولا يحول اختلافاتك إلى مادة للسخرية أو التنمر، بل يمنحك مساحة آمنة لتكون على طبيعتك.

وقد تكتشف أنك تحبه حبًا صادقًا يصعب تفسيره. حب غير مبرر، لا يعتمد على منفعة أو ظرف مؤقت، بل على شعور عميق بالراحة والانتماء.

ومع هذا النوع من الأشخاص فقط قد تفهم أن الحب ليس مجرد الاستمتاع بوجود شخص في حياتك، بل أن تشعر أنك تستطيع أن تكون نفسك بالكامل دون خوف أو تبرير.

شعور لا أستطيع حقًا أن أصفه بالكلمات.

وفي النهاية، لا تلُم احدا ولا تبكِ على شخص كان قريبًا منك يومًا ما إذا كان ما يجمعكما مجرد شيء مؤقت.

وفرّق بين حبك لشخص، واحترامك لشخص، وبين حب شخص لك، واحترامه لك، وبين الحب الصادق الذي يستمر رغم تغير الظروف.وأعد النظر في علاقاتك السابقة والحالية، وحاول أن تميز بين الصديق الحقيقي والصديق المقرب.