هل مجتمعاتنا مؤهلة للديمقراطية؟

عندما حدثت مفاجأة يناير 2011 كنا سعداء ومتفائلين ، جدا .

كنت حديثة عهد بالمراهقة وأكره حسني مبارك بشدة وأظن أنه ونظامه من اللصوص والخونة سبب كل مشاكلنا وأننا لا نحتاج إلا فقط للتخلص منه و الحصول على فرصة لنختار وعندها سنعيش في العدل والحرية والرخاء، رغم أني لاحقا اكتشفت أنه أفضل من حكام مجاورين كثيرين .

وبغض النظر عن الأحداث التي حدثت وقتها وكل أطرافها فتلك الفترة فتحت عيني على أفكار لم أكن أنتبه إليها مسبقاً وغيرت قناعاتي .

في الانتخابات والاستفتاءات اللاحقة لاحظت إن في المجتمعات القبلية والعائلية مثلا التصويت يكون لمرشح العائلة أو القبيلة أيا كان، لايهم خبراته او توجهه السياسي او برنامجه.

التصويت هنا كان إعادة إنتاج للقبلية وليس حصيلة مواقف الافراد وقناعاتهم .

أيضا مدي القضايا المطروحة للتصويت فمثلا هناك اتجاهات كانت مقتنعة بأن مدى التصويت يطال الحقوق السياسية والحريات الفردية للآخرين، فهناك من يرغب فرض النقاب بقانون وهناك من يرغب في منع حق الترشح لدين معين وغيرها.

أي أن تصور مجتمعاتنا عن الديمقراطية والتصويت هو مجرد إعادة إنتاج لفكرة حق أغلبية المجتمع في التحكم بالاخرين لو أننا أكثر منهم .

القناعه التي خرجت بها من تلك الفترة هو أننا مجتمعات غير مؤهلة للديمقراطية فنحن لا نري فيها وسيلة لاصلاح الحاكم ومحاسبته واقرار العدل، بل وسيلة للتدخل في حياة بعضنا البعض ولن تؤدي أصلا إلا إلى الاقتتال والفتن .


النظرة التي تطرحينها تحصر الأزمة في سيكولوجية الشعوب، لكنها تغفل أن الشعوب لا تمارس القبيلة أو الإقصاء في الصناديق إلا لغياب البديل المؤسساتي الضامن لحقوقهم.

الإشكالية ليست في أننا غير مؤهلين، بل في أننا نطلب من الديمقراطية القيام بدور العصا السحرية التي تخلق الوعي، بينما الحقيقة هي أن الوعي يُبنى بالتعليم وتفعيل القانون وتراكم الحريات لا بمنعها بحجة عدم الجاهزية. وما عمّق الأزمة هو أن الدولة العميقة التي لم تسقط فعلياً، لم تسمح باستمرار التجربة أو تراكم أخطائها لتصحيح نفسها؛ بل استغلت هذه العثرات الأولية، والطبيعية في أي تحول، لترسيخ سردية عدم الأهلية والعودة للمربع صفر.

هنا نقطة الخلاف الجوهرية: هل ننتظر نضوج المجتمع، الذي قد لا يأتي أبداً في ظل الانغلاق الممنهج، لكي نمنحه حق التقرير؟ أم أن ممارسة الديمقراطية بأخطائها الكارثية هي التمرين الوحيد والضروري لتجاوز الولاءات القبلية وتفكيك سطوة الدولة العميقة؟ الرهان على وعي الفرد قبل إصلاح المجال العام وغل يد المؤسسات غير الديمقراطية هو وضع للعربة أمام الحصان.

أم أن ممارسة الديمقراطية بأخطائها الكارثية هي التمرين الوحيد والضروري لتجاوز الولاءات القبلية وتفكيك سطوة الدولة العميقة؟

ليس من الضروري ان تتطور الديمقراطية ففي تجربة هتلر بالمانيا مثلا اتي هتلر بانتخابات وتحولت المانيا للنازية ولولا ان بعد الحرب اراد الغرب لها ان تكون جزء من مواجهة الاتحاد السوفيتي لما قامت مرة اخري ولولا هزيمة هتلر في الحرب العالمية لما تعلم الشعب الالماني الدرس ولما تخلص ابدا من هتلر .

 بينما الحقيقة هي أن الوعي يُبنى بالتعليم وتفعيل القانون وتراكم الحريات لا بمنعها بحجة عدم الجاهزية

ومن اين ستاتي تلك السلطة الطيبة التي ستمرننا علي الديمقراطية حتي ننضج ثم ترفع وصايتها عنا

تجربة الديقراطية الغربية نفسها لم تتدرج باعطاء الناس كلهم القرار وتركهم يتمرنوا بل بدات اشبه بديقراطيه النخبة وتوسعت .

المشكلة ان اصلا النواة الاساسية للديمقراطية وهي احترام الحرية الشخصية ليست موجوده في قاموس الثقافة الشعبية وبتالي اي ديمقراطية ستفرز لك نظام حكم يتدخل فيما تاكل وتلبس اي ان الديمقراطية هنا هي اخذ راي الجماعة فيما يخص الفرد اي فاشية .

mostafahamada403 أضف ردا

تحليل دقيق ومهم، لكنه يضعنا أمام مفارقة "البيضة أم الدجاجة". إذا سلمنا بأن الشعوب يجب أن تتشبع بقيم الحرية الفردية "ثقافياً" قبل ممارسة الديمقراطية، فنحن عملياً نحكم على هذه المجتمعات بالانتظار الأبدي، لأن الثقافة لا تتغير في الفراغ، بل تتغير تحت ضغط الواقع والممارسة والقانون.

أتفق معك أن ديمقراطية الأغلبية قد تتحول إلى فاشية مجتمعية إذا لم تكن مقيدة بدستور يحمي الفرد. الإشكالية ليست في جاهزية الشعب، بل في غياب العقد الاجتماعي الذي يضع خطوطا حمراء أمام الأغلبية. الغرب لم ينتظر نضج الثقافة، بل وضع قوانين صلبة تمنع الأغلبية من التغول على حقوق الأفراد.

ففي تجربة هتلر بالمانيا مثلا اتي هتلر بانتخابات وتحولت المانيا للنازية 

تجربة هتلر أثبتت أن الديمقراطية بلا مؤسسات حامية، مثل القضاء المستقل، هي غوغائية. ألمانيا بعد الحرب لم تتغير بسبب الهزيمة فقط، بل لأنها وضعت في سياق مؤسسي صارم منع تكرار التجربة. نحن لا نحتاج هزيمة عسكرية، بل نحتاج تحييد المؤسسات لتكون هي الحارس للحقوق.

احترام الحرية الشخصية ليس جينات، بل هو نتيجة صراع قانوني ومؤسسي بل قد تُنتزع الحقوق والحريات إنتزاعًا ولو بالحرب الأهلية، ولنا في حرب الولايات المتحدة الأهلية مثال (بعيداً عن اسبابها). الفرد لا يشعر بقيمته إلا عندما يجد قانونا يحميه من قبيلته ومن الدولة معا. الممارسة بأخطائها هي المختبر الوحيد الذي سيعلم الناس أن التدخل في حياة الآخر اليوم سيعود بالضرر عليهم غدا.

الخوف من فاشية الجماعة مشروع، لكن حله ليس بمنع الديمقراطية، بل بالإصرار على أن تكون ديمقراطية دستورية مؤسسية، لا مجرد صناديق اقتراع تكتسح فيها الغوغائية حقوق الفرد.