ليست هذه الظاهرة طارئة على النفس البشرية، بل هي واحدة من أكثر تناقضاتها عمقًا وإرباكًا. فالإنسان، في كثير من الأحيان، لا يعيش حياة واحدة متسقة، بل حيواتٍ متعددة: حياةً يُظهرها للناس، وحياةً يُخفيها عنهم، وثالثةً قد لا يعترف بها حتى لنفسه. وفي هذا التعدد تتجلّى المفارقة: لسانٌ يُدين، وسلوكٌ يُمارس، وضميرٌ يتأرجح بينهما.إن الإدانة العلنية للخطأ لا تنبع دائمًا من يقينٍ أخلاقي خالص، بل قد تكون محاولةً لحماية صورة الذات أمام الآخرين. فالإنسان، بوصفه كائنًا اجتماعيًا، يسعى إلى القبول، ويخشى النبذ، فيُعلن تمسّكه بالقيم التي يُثني عليها المجتمع، حتى وإن كان في خلوته يعجز عن الالتزام بها. وهنا تتحول الأخلاق من كونها قناعة داخلية إلى قناعٍ خارجي، يُرتدى حين تشتد الأضواء، ويُخلع حين يغيب الرقيب.غير أن هذا التناقض لا يُختزل في النفاق فحسب، بل يمتد إلى ضعفٍ بشريٍّ مركّب؛ إذ قد يُدرك الإنسان قبح الفعل، ويستنكره بصدق، لكنه في لحظة ضعفٍ أو رغبةٍ أو ضغطٍ، ينزلق إليه. فيدين الخطأ لأنه يراه خطأ، ويمارسه لأنه لا يملك دائمًا القوة الكافية لمقاومته. وهكذا يصبح الإنسان ساحة صراعٍ بين ما يؤمن به وما يقدر عليه.
كما أن المجتمع نفسه يسهم في تكريس هذه الازدواجية؛ فهو يُكافئ المظاهر أكثر مما يُحاسب الحقائق، ويُعلي من شأن الخطاب الأخلاقي حتى لو كان منفصلًا عن السلوك. فيتعلم الأفراد أن إعلان الفضيلة أهم من ممارستها، وأن الإدانة العلنية قد تُغني عن المحاسبة الذاتية. ومع مرور الوقت، يتسع الشرخ بين القول والفعل، حتى يكاد يُصبح أمرًا مألوفًا لا يُستغرب.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في وقوع الإنسان في الخطأ، فذلك جزء من طبيعته، بل في اعتياده هذا الانفصال بين ما يُعلن وما يُضمر؛ إذ يفقد تدريجيًا قدرته على رؤية نفسه بصدق، ويتحول التناقض إلى نمطٍ مستقر، لا إلى زلّة عابرة. وعندها، لا يعود السؤال: لماذا نخطئ؟ بل: لماذا نُصرّ على إدانة ما لا ننوي التخلّي عنه؟
فإذا كان الإنسان يُدرك الخطأ ويستنكره بلسانه، ثم يعود إليه في خلوته، فهل تكمن المشكلة في ضعف إرادته، أم في زيف منظومته الأخلاقية، أم في مجتمعٍ يُجيد صناعة الصور أكثر مما يُجيد صناعة الضمائر؟
التعليقات