10

هل للحب معنى كما يضن الناس؟ أم هو مجرد شعور تطور عبر الزمن؟

من هم الناس الذين يحبونك بجد، وهل أصلاً يوجد شخص يحبك حقاً؟ قبل أن نغوص في هذا التساؤل، يجب علينا أن نفسر أولاً ماذا يعني مفهوم الحب، هذا المصطلح الانسيابي. لماذا سميته بالانسيابي؟ لأنه مثل السوائل (دائماً يأخذ شكل محيطه أو الإناء الذي هو فيه) وكذلك الحب، فالحب بين الزوجين والعاشقين ليس هو الحب بين الأصدقاء، وليس هو الحب بين الإخوة والعائلة، وليس هو الحب الذي نكنه للأشياء مثل الهاتف والسيارة والمنزل... إلخ.

دعونا قبل أن نحلل هذه الأنواع التي ذكرتها للتو، نحلل أولاً ماذا تعني كلمة الحب، فهي مشتقة من المحبة، واللغة العربية صراحة فيها الكثير من الكلمات التي تعبر عن الحب على حسب تدرجه أو كلمات مرادفة له. وليس موضوعنا هو تحليل مصدر الكلمة أو جذرها اللغوي، بل هدفنا هو أن نتعمق أكثر من ذلك. والحب لا يختلف من سياق لآخر فقط، بل يختلف حتى من مجتمع لآخر وحتى من إنسان لآخر. فعلى سبيل المثال، الحب عندما ذُكر في القرآن، ذُكر بصفة سيئة أو بالشكل السلبي، كمثال في الآية التي وصف فيها الله امرأة العزيز قال: {قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا}، والذي كان تعبيراً عن مشاعرها تجاه النبي يوسف، وهذا النوع من الحب في الإسلام والمجتمع هو أمر مرفوض. ولكن عندما يريد الله أن يصف الحب بين الزوجين (الذي هو حب مقبول) يصفه بالمودة والرحمة.

وبعيداً عن القرآن، وبالضبط في المجتمع الذي أعيش فيه الآن، والذي هو المجتمع المغربي في وقتنا الراهن، نقول في وصف الحب (كانبغيك) والتي تعني (أريدك)، والغريب في الأمر أنه لا توجد كلمة "حب" في الدارجة الخاصة بنا. والمثير للعجب أنه عندما نقوم بترجمة حرفية لكلمة (كانبغيك) للغة الفصحى فهي "أريدك"، والتي يبدو مصدرها واضحاً وهو اللغة الأمازيغية التي كان يتحدث بها الناس في المغرب قبل مجيء العربية، وبالتالي غيروا فقط الكلمات الأمازيغية بأخرى عربية مع الحفاظ على القالب وترتيب الجملة. وصراحة هذه الكلمة (كانبغيك) هي كلمة صريحة من أجلها أكتب هذا المقال، فهذه الكلمة تكشف لنا حقيقة كلمة الحب أو التعبير عنه.

فالحب هو احتياج أكثر من كونه شعوراً، فإذا تأملنا فيه مثلاً، لدينا شخصان عاشقان، بنت وولد يحبان بعضهما بشكل صادق، فجأة أحدهما خان الآخر، مثلاً الولد خان البنت، فأول شيء ستقوم به البنت هو أنها ستتوقف عن حبها لذلك الشخص، يعني أن فعل الخيانة أوقف ذلك الحب. وهذا يعني أن الحب دائماً مربوط بشيء ما. ونستطيع أن نعطي عدداً لانهائياً من الأمثلة، فمثلاً لدينا ملك في مملكة يحب شعبه كثيراً، ولكن في أحد الأيام فاجأوه وقاموا بثورة ضده ليسقطوا نظامه، ولكن تلك الثورة فشلت. من المؤكد أن الملك بعد تلك الثورة سيصبح أكثر صرامة مع شعبه، وكما نقول بالدارجة المغربية (سيسقطون من عينه). ونستطيع أن نعطي مثالاً بأم تحب ابنها، ولكن عندما كبر أصبح عاقاً ويسرق مالها ويعذبها في الحياة، فقررت أن تطرده من المنزل.

خلاصة القول من هذه الأمثلة التي أعطيتها، أردت أن أوصل فكرة أن الحب مفهوم نسبي وليس مطلقاً، يعني يمكن لمشاعر الحب تلك أن تتوقف بسبب فعل من الأفعال، وهنا نرجع لمصطلح (كانبغيك)، يعني أن الإنسان عندما يحب شخصاً فإنه يحتاجه (سواء لتلبية غرائزه، أو لأغراضه المادية).

في بداية المقال قلت أن هناك فرقاً في معنى الحب، وأنه يختلف على حسب القائل أو العلاقة بين الطرفين. فعلى سبيل المثال، الحب بين العاشقين نابع من مشاعر غريزية تطورت عند الإنسان. فالإنسان منذ الأزل كان كائناً اجتماعياً، هذا ما جعله يطور المشاعر، وخاصة مشاعر الحب، لأنها هي التي ستجعله مرتبطاً بشريك (زبدة الكلام هنا، أنك كإنسان عندما تحب شخصاً، فإن دماغك فقط يفرز بعض أنواع الهرمونات لكي ترتبط بذلك الشخص وتنجبوا أطفالاً ليستمر نوعكم). والحب الأسري والعائلي ليس بعيداً جداً عن النوع الذي ذكرته للتو، فالعلاقة بين أم وابنها مثلاً قائمة على مشاعر تطورت منذ الأزل، فذلك الولد عندما يولد يحتاج إلى أم تربيه وترعاه حتى يكبر، وهذا ما جعل نوعنا يستمر، فقط نحن نتميز عن الأنواع الأخرى في الطبيعة بكون هذه العلاقة تستمر طيلة الحياة. وكذلك حب الأشياء مثل الهاتف أو حيوان أليف مثلاً، فحبنا لشيء ما نابع من كون تلك الأشياء لنا فيها مصلحة.

زبدة الكلام من كل ما سبق، أن الحب هو المصلحة، فبزوال المصلحة يزول الحب، سواء كانت هذه المصلحة معنوية مثل الغريزة بكل أنواعها، أو مادية بكل أنواعها هي الأخرى.


التعليق السابق

وجهة نظرك جميلة جداً. أنا أنظرُ للحب من منظورٍ علمي ومنطقي، على عكس الشائع لدى الكثيرين. وصفي للحب على أنه مبني على 'مصلحة' و'منفعة' لا يعني بالضرورة المصالح المادية التي نراها في حياتنا اليومية، بل هي منفعة 'لا إرادية' (بيولوجية).

فلو أخذنا، على سبيل المثال، عاشقين وصلا لمرحلة الهيام ويجزمان أنهما خُلقا لبعضهما، فهل هما حقاً خُلقا لبعضهما؟ وهل هذا منطقي؟ لو لم يجمعهما القدر بظرفٍ من الظروف، أو لم يعيشا في الزمان أو المكان نفسه.. لما عرفا بعضهما أبداً، ولربما بادلا المشاعر نفسها مع أشخاص آخرين.

خلاصة القول: إن الحب مبني على منفعة يجهلها الطرفان ويُدركها 'الدماغ' الذي تطور عبر الزمن؛ ومن الأشياء التي طورها هي المشاعر التي ساعدت الجنس البشري على الاستمرار. فمهما حاولنا إيجاد تفسيرات، سنجدها في النهاية تخدم هدفاً واحداً: المصلحة الغريزية واستمرار النوع البشري.

أما بخصوص أن الإهانة تُنهي الاحترام والثقة، فهذا مثال جيد يخدم الفكرة التي طرحتها؛ فالحب شعور نسبي وليس مطلقاً، كحال جميع المشاعر والأحاسيس.

وحقيقة وجود أمهات يتأذين من أبنائهن ومع ذلك يستمررن في العطاء، لا ينفي قيام العلاقة على منفعة، بل هنّ يلبين 'غريزة الأمومة'. فكل الأفعال الإنسانية متدرجة في هرم احتياجات، وفي مثالك هذا، نجد أن بعض الأمهات يقدمن غريزة الأمومة على حب الذات. وبالمناسبة، الحب وغريزة الأمومة هما وجهان لعملة واحدة

أتفهم وجهة نظرك، لكن المشكلة أنها تختزل تجربة إنسانية معقدة في عامل واحد فقط. فمعنى أن المشاعر لها أساس بيولوجي لا يجعلها متجسدة فقط في المنفعة، وإلا سنصل لنفس النتيجة مع كل القيم الإنسانية مثل التضحية أو الوفاء ونقول إنها مجرد وظائف غريزية، وهذا تبسيط شديد.

فلو أخذنا، على سبيل المثال، عاشقين وصلا لمرحلة الهيام ويجزمان أنهما خُلقا لبعضهما، فهل هما حقاً خُلقا لبعضهما؟ وهل هذا منطقي؟ لو لم يجمعهما القدر بظرفٍ من الظروف، أو لم يعيشا في الزمان أو المكان نفسه.. لما عرفا بعضهما أبداً، ولربما بادلا المشاعر نفسها مع أشخاص آخرين.

فكرة أن الحب يمكن أن يتكرر مع أشخاص مختلفين لا تنفي معناه، بل تؤكد أنه شعور إنساني قابل للتشكل حسب التجربة، وليس مجرد استجابة ثابتة لهدف واحد أو لشخص بعينه.

الحب وغريزة الأمومة هما وجهان لعملة واحدة

الغريزة دافع، بينما الحب علاقة تتشكل وتختبر وتتغير مع الوقت. ولو كان الأمر مجرد تلبية غريزة، لكان التوقف أسهل عند التعرض لأذى، لكن ما يحدث أحيانًا يتجاوز ذلك، ويكون مرتبطًا بمشاعر معقدة مثل المسؤولية، أو حتى المعنى الذي تبنيه الأم حول دورها، وليس فقط دافعًا بيولوجيًا مباشرًا.