في كثير من المؤسسات والشركات، لا تُكتب كل الوعود على الورق، بل إن أخطرها هو ما يُقال عابراً. تُنثر هذه الوعود في لحظة تحفيز عابرة، أو في زحام اجتماع مغلق، أو على هامش جلسة لتقييم الأداء.
نسمع عبارات مألوفة مثل: "قريبًا سنفكر في ترقيتك", "أنت على رأس أولوياتنا في المرحلة القادمة", أو "الفرصة قادمة، فقط اصبر قليلاً".
هذه الوعود، رغم أنها لا تُوثّق في سجلات الموارد البشرية، إلا أنها تُحفر عميقاً في ذاكرة الموظف لتشكل ما يُعرف في علم النفس الإداري بـ "العقد النفسي غير المعلن". لكن، ماذا يحدث عندما تتبخر هذه الكلمات ولا تُنفذ؟
الثقة لا تُبنى على الكلمات.. بل على الاتساق
الموظف المحترف لا يطلب ضمانات قاطعة لكل شيء، فهو يدرك تقلبات العمل، ولكنه يطلب شيئاً أهم: الاتساق بين القول والفعل.
حين تتكرر الوعود البراقة دون أثر ملموس على أرض الواقع، تبدأ بذرة الشك في النمو. هذا الشك لا يتوقف عند نقطة واحدة، بل يتمدد في ثلاث اتجاهات مدمرة:
- الشك في النوايا: هل مديري يستغلني فقط لزيادة الإنتاج؟
- الشك في المنظومة: هل هذه الشركة تقدر الكفاءات حقاً أم تبيع الأوهام؟
- الشك في الذات: هل أنا غير كفء بما يكفي لاستحقاق ما وُعدت به؟
وهنا تبدأ الثقة في التآكل، والثقة إذا سقطت في بيئة العمل، سقطت معها كل دوافع الإبداع والمبادرة.
الوعود الشفهية: سلاح ذو حدين
الوعود غير المكتوبة تعمل كرافعة قوية أو مطرقة هادمة، ولا يوجد خيار أوسط:
- إذا تم الوفاء بها: تتحول إلى أقوى وقود للولاء والتحفيز. يشعر الموظف بأنه مقدر، وأن كلمته تُسمع، وأن مديره جدير بالاحترام والاتباع.
- إذا أُهملت أو تم التهرب منها: تُصبح عبئاً نفسياً ثقيلاً. تُترجم هذه الخيبة سريعاً إلى فتور في الأداء، انسحاب عاطفي من الفريق، أو ما بات يُعرف اليوم بـ "الاستقالة الصامتة" (Quiet Quitting)؛ حيث يؤدي الموظف الحد الأدنى المطلوب منه فقط، لأن طاقة الشغف لديه قد انطفأت بفعل الوعود الكاذبة.
كيف نتعامل مع "الوعود الشفهية" بوعي؟
لضمان بيئة عمل صحية ومنتجة، يجب أن تُدار هذه الوعود بمسؤولية من جميع الأطراف:
1. كقادة ومديرين (مسؤولية الكلمة):
- لا تعطِ وعدًا لا تملك صلاحية أو قدرة تنفيذه، حتى لو كان بنية طيبة لرفع المعنويات. النوايا الطيبة لا تشفع لصاحبها إذا خذل فريقه.
- اجعل كلماتك قابلة للقياس والتحقيق، أو اختر الصمت. بدلاً من القول "ستترقى قريباً"، قل "إذا حققنا الهدف (س) خلال (ص) من الأشهر، سأرفع توصية بترقيتك".
2. كموظفين (الواقعية المهنية):
- لا تبنِ قراراتك المهنية أو المالية أو خططك المستقبلية على وعود شفهية هائمة لم تُعتمد رسمياً.
- تعلّم فن "التوثيق اللطيف". إذا تلقيت وعداً في اجتماع، أرسل بريداً إلكترونياً ودياً بعدها يلخص ما تم الاتفاق عليه لتأكيد الفهم. اسأل واطلب الوضوح دون تصعيد أو هجوم.
3. كمنظومة وشركة (ثقافة الوفاء):
- يجب الاعتراف بأن الثقة والانتماء لا يُبنيان بلوائح الموارد البشرية والسياسات المكتوبة فقط، بل يُبنيان بالنية الصادقة والسلوك اليومي المتسق للقيادات.
الثقة في بيئة العمل ليست "رفاهية" أو أمراً ثانوياً، بل هي البنية التحتية الحقيقية لكل إنتاجية، ابتكار، واستقرار وظيفي.
والوعود غير المكتوبة، رغم هشاشتها قانونياً، قد تكون في أثرها النفسي أقوى من أي عقد رسمي موثق... إن تم احترامها، أو تم خيانتها.
التعليقات