كلّما تعمّقت في قراءة سبينوزا، شعرت أن بيني وبينه خيطًا من التفاهم، لكنّ هذا الخيط ينقطع كلّما اقتربنا من مفهوم الحرية.
أحترم منطقه، لكنني لا أستطيع أن أتنفّس داخله.
فالعقل عنده كلّ شيء، وعندي هو جزء من كلّ شيء.
يرى باروخ سبينوزا أن الحرية وهم، وأن الإنسان يظنّ نفسه حرًا لأنه يجهل الأسباب التي تحدّده.
أما أنا فأرى أن الحرية ليست نفيًا للقيود، بل وعيًا بها.
قد لا يملك الإنسان القدرة على تحقيق ما يريد، لكنه يملك دائمًا القدرة على أن يريد—وهنا تبدأ حريته.
الإرادة ليست قدرة، لكنها ليست وهمًا أيضًا؛ إنها ما يتبقى للإنسان حين تضيق به كلّ الأسباب.
عند سبينوزا، كلّ شيء محدّد بسلسلة لا نهائية من الأسباب.
حتى الله ليس ذاتًا حرة، بل جوهر يتجلّى في كلّ شيء.
أما عندي، فالله ليس معادلة عقلية، بل سؤال مفتوح في أعماق الوعي؛
احتمالٌ للمعنى، لا يقينٌ للوجود.
في فلسفته، نتحرر من المشاعر لنبلغ السكينة.
أما أنا فأرى أن المشاعر ليست عدوًا للعقل، بل أصله.
الخوف، والرغبة، والدهشة… هي التي خلقت الفكر، لا العكس.
سبينوزا يريد عالمًا منسجمًا، محدّدًا، عقلانيًا.
وأنا أرى أن الغموض ليس عيبًا في الوجود، بل دليله الأصدق.
فالوعي ليس اكتمالًا، بل صراعٌ دائم مع اللااكتمال—ومن هذا الصراع يولد الإنسان.
المعنى عنده يُكتشف، وعندي يُخلق.
هو يولد من اليقين، وأنا أراه يولد من الشك.
ولا تعنيني السكينة بقدر ما تعنيني لحظة الصدق، حتى لو كانت مؤلمة.
نلتقي في احترام العقل، ونفترق في موضع القلب.
هو يريد عقلًا يطفئ الانفعال، وأنا أريد عقلًا يُنيره.
هو يبحث عن الانسجام، وأنا أبحث عن الحقيقة—حتى لو كانت متناقضة.
لهذا أشعر أن سبينوزا بنى معبدًا من المنطق،
أما أنا فأمشي بين أطلال المعنى، أفتّش عن إنسانٍ لم يُحسم بعد.
أنا لا أعارضه، لكنني أختلف معه في نقطة البدء:
هو يبدأ من الجوهر، وأنا أبدأ من الوعي.
لذلك يرى الإنسان انعكاسًا،
وأنا أراه تجربة لم تُحسم بعد.
يرى الوجود عقلًا خالصًا،
وأنا أراه وجدانًا يحاول أن يفهم نفسه.
وربما لهذا يصل هو إلى السكينة…
بينما أبقى أنا في السؤال.
التعليقات