"سهل جدًا تقول إنك مش خايف من الرزق، وانت الكريدت كارد في جيبك، وعربيتك راكنة برة."

هذه الكلمات سمعتها من أحد الأشخاص وهو يتحدث عن الابتلاء بقلة المال، وأن الأمر يبدو سهلًا ما دمت لم تُختبر به.

فنجد بعض الناس يقولون إنهم يستحيل أن يقبلوا رشوة، لكن عندما تسأله: هل عُرضت عليك رشوة من قبل؟ يجيب: لا، بل إنه لا يعمل أصلًا في مكان قد يُعرض عليه ذلك.

ومن أبرز الأمثلة هم المتزوجون حديثًا، الذين بالكاد يجدون ما ينفقونه على أنفسهم، ومع ذلك، ودون مراعاة للأسباب الواقعية، يسارعون إلى الإنجاب، بل وربما يكررونه، وهم يرددون بثقة: "العيل بييجي برزقه".

لكنهم يصطدمون بالواقع بعد ذلك، فلا ضمان لزيادة المال، ولا أمان من الفقر، فيقع الجزع.

وأهون ما قد يحدث هو الانفصال لعجزهم عن توفير النفقات، وأسوأه، وقد تكرر مؤخرًا، أن يُنهي الإنسان حياته، وربما حياة أسرته أيضًا.

فأين الإيمان بالرزق الذي كان قبل الإنجاب؟

يتبخر في لحظات، لأنه في الغالب لم يكن إيمانًا حقيقيًا، بل أفكارًا موروثة لم تُختبر.

بل إن الكثير منهم لا يدرك أصلًا معنى "الرزق".

فالبعض يظنه مالًا وفيرًا، وهذا غير صحيح. نعم، الأولاد يأتون برزقهم، وإن الله هو الرزاق، لكن هل يعلم أحد مقدار هذا الرزق؟ قد يكون جنيهًا، وقد يكون مليون.

والأخطر من ذلك أن الجهل بحقيقة مفهوم الرزق يعرض الإنسان لابتلاء شديد، لأن الكثير لا يدرك قسوة الفقر الحقيقية.

فالأمر لا يتعلق فقط بعدم القدرة على تناول اللحم أو الاستغناء عن بعض الرفاهيات، بل يتجاوز ذلك بكثير.

وهذا ما لاحظته في تعليقات كثيرة على حادثة انتحار عائلة كرموز مؤخرًا (لمن لا يعلم التفاصيل فهي متوفرة بجميع المواقع الاخبارية لكن فضلت ألا اكتبها هنا لأنها مؤلمة).

وهذا ما دفعني لكتابة هذه المساهمة كشخص نشأ وعاش غالب عمره، حتى بضع سنوات سابقة، بمنطقة كرموز.

ورغم قسوة القصة، جاءت تعليقات كثيرة تستنكر أن يكون الفقر سببًا كافيًا لما حدث، وبدأ البعض يفسر الأمر ويُجزم بوجود مرض نفسي.

ورغم صعوبة الجزم بالسبب، إلا أنهم قللوا بشدة من تأثير الفقر، والحقيقة أن الفقر وحده قد يكون كافيًا لتدمير الإنسان.

فالفقر ليس شاعريًا، ولا يجعلك نقيًا كما في الأفلام، بل على العكس، الفقر الشديد قد يخرج أسوأ ما فيك.

ولا يأتي وحده، بل يصاحبه كل أنواع الأسلحة من سوء تغذية، وضعف صحي، وحرج اجتماعي، وشعور بالدونية، وغيرها.

وقد يترك أثرًا لا يزول، حتى لو انتهى الفقر يومًا.

ولا ننسى أن النبي ﷺ كان يستعيذ من الفقر والكفر معًا، فالفقر قد لا يدفع الإنسان فقط إلى قتل نفسه أو قتل من يحب، بل قد يزلزل إيمانه بنفسه.