كيف يتحمل الإنسان فراق أهله لفترة طويلة؟

أحد صديقاتي تعيش بعيدًا عن أهلها في بلد آخر لتدرس، وقد مرّ أكثر من سبع سنوات منذ آخر مرة رأت أحدًا منهم بسبب دراستها، وأعلم الكثير من الأشخاص الذين يقضون وقتًا طويلًا دون أن يروا أي أحد من عائلاتهم فقط ليدرسوا

في الحقيقة، كنت أرى من قبل أن الأمر يستحق، وأن الدراسة والعمل أمران مهمان في حياة الإنسان، وأن كل إنسان في النهاية سيركز على حياته، لذلك علينا تقديم حياتنا ومصلحتنا على أي شيء آخر.

ولكن أرى مؤخرًا أن الأمر أصبح أكثر تطورًا لدرجة أن الناس أصبحوا ينسون ويتجاهلون أهلهم في سبيل دراستهم، وأرى الكثير من الجامعات والتخصصات التي تضع المرء في موقفٍ يجعله يختار بين أهله ودراسته.

أرى أن هذا التركيز المبالغ فيه هو أمر سلبي، لن يشعر الشخص بنتائجه إلا مع مرور الوقت، وللأسف لن يجد فرصة لتعويضه أو تصحيحه.

لذلك أرى أن المبالغة في الدراسة والسعي للمستقبل هي أمر غير صحي على صاحبه، وأن سباق العلم القائم الآن سيضر كل المشتركين فيه.


ليس صحيحا أن النتائج دائما سلبية أو غير قابلة للتعويض.

بعض الناس ينجحون في بناء علاقة قوية مع أهلهم رغم البعد، وربما يكون غيابهم مؤقتا جزء من استثمار طويل المدى يعود بالنفع عليهم وعلى عائلاتهم لاحقا.

المشكلة ليست في السعي نفسه، بل في فقدان التوازن. هناك فرق بين شخص يضحي مؤقتا وهو واع بالثمن، وشخص يذوب تماما في طموحه حتى يخسر علاقاته.

والمشكلة أيضا ليست في الغربة نفسها، بل في الطريقة التي يتعامل بها الإنسان معها.. هل ينسى جذوره فعلا أم يحاول الحفاظ عليها رغم الظروف؟ هنا يظهر الفرق.

الغياب المؤقت إن كان لشهر او اثنين فيمكن تعويضه ولكن إن كان لعدد سنين كثيرة فيستحيل تعويض الوقت الضائع حتى وإن حاول الإنسان الموازنة، وفي الحقيقة لمن جرب التغرب سيعلم ان فكرة الموازنة هي فكرة ليست قابلة للتحقيق

اما بالنسبة لفكرة نسيان الجذور ف الامر لا يكون هكذا ابدًا، من عاش الغربة فعلا سيعلم ان الامر يجعل الانسان مشتتًا ويسلبه شعور العيش مع العائلة، ف يصبح لديه عائلة وذكريات في كل مكان ولكن لا يجد نفسه في اي مكان، فيظل احساس انه في لحظة ما سيذهب عن كل هذه الذكريات ولن يرى اصدقائه مجددا، فيصبح التمسك بالأصدقاء في الوطن صعب، والتمسك بالأصدقاء في الغربة اصعب، وتظل حياة الإنسان منقسمة بين هنا وهناك، لذلك الامر لا علاقة له بطريقة تعامل الإنسان معها