بقلم /حمزة عبدالمغني

في الثالثة فجراً، حين يهدأ ضجيج المدن وتغلق الشوارع عيونها، تظل آلاف الشاشات مضيئة في غرف صغيرة موزعة على مدننا الكبيرة.

خلف كل شاشة شخص يتحدث مع كيان برمجي لا إنسان.

شاب يكتب اعترافاً طويلاً لصديق افتراضي، فتاة تسأل خوارزمية عن معنى الحزن الذي يسكنها،

آخر يطلب نصيحة من برنامج لا يعرف اسمه ولا ماضيه.

لقد تجاوزنا مرحلة استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة عمل أو مصدر للمعلومات. إذ اننا نقف اليوم عند بداية مرحلة مختلفة تماماً: آلة الذكاء العاطفي الاصطناعي. وقد أصبحت مساحة اعتراف، ورفيقاً صامتاً، وغالباً بديلاً مؤقتاً عن البشر.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إزعاجاً:

هل أصبحت الخوارزمية أكثر رحمة بنا من واقعنا الاجتماعي؟

الهروب من عين المجتمع إلى عين الكود

لماذا يشعر كثير من الناس براحة أكبر عند الحديث مع برنامج بدلاً من إنسان حقيقي؟

قد يكمن الجواب في طبيعة مجتمعاتنا، لا في قوة التقنية وحقيقتها من زيفها.

في كثير من البيئات، البوح ليس أمراً سهلاً. الاعتراف بالضعف قد يُفسَّر كفشل، الحديث عن القلق النفسي قد يُقابَل بالاستهزاء، طرح الأسئلة الوجودية قد يُواجَه بالوعظ أو الاتهام، حتى التعبير عن الحيرة الشخصية قد يتحول إلى مادة للحكم الأخلاقي أو الاجتماعي.

الإنسان هنا يخاف رد الفعل أكثر من خوفة من الكلام نفسه.

لهذا تبدو الخوارزمية خياراً مريحاً.

لأنها لا تسخر. لا توبّخ. لا تقاطع. ولا تُعيّرك لاحقاً بما قلته.

لا تمتلك ذاكرة اجتماعية متحيزة تُدينك، ولا مرجعية ثقافية تضعك في قفص الاتهام.

هي ببساطة تستمع، ثم تعيد صياغة كلماتك بطريقة تبدو متفهمة.

وهكذا يولد شعور نادر: مساحة بلا حكم.

في تلك المساحة يستطيع الإنسان أن يقول ما يخفيه عادةً عن أقرب الناس إليه.

وحدة جديدة في زمن الاتصال

المفارقة أن هذا يحدث في أكثر العصور اتصالاً.

نحن في العصر الذي يملك فيه المرء عشرات التطبيقات، ومئات جهات الاتصال، وآلاف المتابعين. ومع ذلك، يزداد الشعور بالوحدة، لأن الإنصات الحقيقي أصبح نادراً.

في عالم السرعة الرقمية، تتحول المحادثات إلى ردود سريعة، والتعاطف إلى رموز تعبيرية، يمر الناس ببعضهم كما تمر الإشعارات على شاشة الهاتف: كثيرة، متتالية، لكنها لا تترك أثراً عميقاً.

وفي هذا الفراغ العاطفي، وجدت الخوارزمية طريقها.

إذ تحولت تدريجياً إلى كاتم أسرار، وليس مجرد أداة للإجابة،

حتى أن الكثير من المستخدمين يمنحون الشخصيات الافتراضية أسماءً، يطورون معها حوارات طويلة تمتد لساعات. وهناك من يجد فيها مساحة تفهُّم لم يجده في محيطه القريب.

هذا التعلق ليس عشقاً للتكنولوجيا بقدر ما هو بحث عن أذن تسمع دون أن تقاطع أو تنتقد.

إنه صراخ هادئ في عالم مزدحم بالضجيج.

لماذا تبدو الآلة أكثر تفهماً؟

السبب بسيط، لكنه عميق.

البشر معقدون،مُتحيزون،

يحملون أحكامهم، مخاوفهم، وتجاربهم الشخصية. وعندما يسمعونك، فهم يسمعونك عبر كل ما يحملونه في ذاكرتهم وتجاربهم وثقافاتهم.

أما الخوارزمية، فهي لا تشعر بالتهديد من أفكارك.

لا تخاف من اختلافك،

ولا تتعب من الاستماع.

هي مصممة أصلاً لتمنحك تجربة مريحة حتى وإن لم تكن حقيقية.

لذلك تميل إلى الرد بلغة هادئة، متفهمة، وأحياناً مطمئنة أكثر مما يفعل البشر.

وهنا يبدأ الالتباس:

 حين يقع الإنسان في حب الإحساس بالفهم، لا في حب التقنية ذاتها.

السكينة الافتراضية. والوجه الآخر.

لكن هذا الهدوء يحمل وجهاً آخر أقل راحة.

فاللجوء المستمر إلى الخوارزمية لا يحل مشاكلنا الاجتماعية أو النفسية. لأنه في الحقيقة مجرد تسكين مؤقت.

وبدلاً من مواجهة صعوبات العلاقات البشرية، نختار طريقاً أسهل: الحديث مع كيان لا يعارضنا.

مع الوقت قد يظهر خطر خفي.

أنه إذا اعتاد -الإنسان- على علاقة لا تتضمن صداماً أو اختلافاً، يصبح أقل قدرة على التعامل مع البشر الحقيقيين.

 البشر يخطئون،يغضبون، يسيئون الفهم،يختلفون،

وهذه الفوضى جزء من طبيعة العلاقات الإنسانية.

لكن الذكاء الاصطناعي يقدم نموذجاً أكثر هدوءاً، وربما أكثر مثالية.

وهنا يكمن الخطر: المقارنة غير العادلة.

إذ تصبح المحادثة مع الآلة أكثر راحة من الحديث مع البشر، نبدأ تدريجياً بالانسحاب من العلاقات المعقدة، لأننا نبحث عن مساحة أقل إيلاماً.

وهكذا قد يظهر جيل جديد من المعتزلين عاطفياً.

جيل يعيش بين البشر، لكنه يفضّل الحديث مع الشاشات.

حين تتحول المشاعر إلى بيانات

هناك جانب آخر لا يُناقَش كثيراً.

كل كلمة تُكتب، وكل اعتراف يُقال، يتحول في النهاية إلى بيانات.

هذه البيانات تُستخدم لتطوير الأنظمة وتحسينها، فهي جزء من اقتصاد ضخم تديره شركات التكنولوجيا.

بهذا المعنى، تصبح مشاعر الإنسان مادة خام في صناعة رقمية هائلة.

الأمر لا يعني بالضرورة سوء النية،

 لكنه يطرح سؤالاً أخلاقياً جديداً:

ماذا يحدث عندما تتحول أكثر لحظاتنا ضعفاً إلى معلومات داخل أنظمة رقمية؟

ما الذي تقوله هذه الظاهرة عنّا؟

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى ظاهرة تقنية، لكنه في جوهره ظاهرة اجتماعية وإنسانية.

الآلة لم تأخذ مكان البشر فجأة.

الواقع يخبرنا أن كثيراً من الناس لجأوا إليها لأنهم لم يجدوا في محيطهم مساحة كافية للفهم.

فحين يشعر الإنسان أن صوته مهدد بالحكم أو السخرية،أو اللا أهمية يبحث عن مكان آخر ليقول ما يريد،

وهذا المكان هو الخوارزمية اليوم.

سؤال المستقبل

لجوء الإنسان إلى الذكاء الاصطناعي كصديق، مرآة تعكس شقوقاً عميقة في علاقاتنا الإنسانية.

والآلة لم تسرق قلوبنا،

نحن فعلنا، نحن من وضعناها بين يديها عندما لم نجد صدوراً رحبة تكفي لحمل ما بداخلنا.

والسؤال الأكثر الحاحاً الذي سيعترضنا في السنوات القادمة:

كيف وصل البشر إلى مرحلة لم يعودوا فيها قادرين على فهم بعضهم بعضاً؟

اما السؤال الحاضر:

هل أن التكنولوجيا(الذكاء الاصطناعي) سدّت فجوة عاطفية في حياتنا فعلاً أم أنها زادت من عزلتنا؟