صحيح أنني ما زلت في رحلة استكشاف خبايا النفس البشرية، لكنّي أزداد يقينًا بأن الإنسان المعاصر نادرًا ما يختبر حبًا غير مشروط. فوسط هذا الضجيج العاطفي، يقضي الإنسان وقتًا طويلًا في تفكيك تناقضاته، وملاحقة معاييره المزدوجة، ومحاولة فهم ما يريده فعلًا من ذاته ومن الآخرين.
في السنوات الأخيرة ظهر تيار كامل يعلن العداء للحبّ بلا مواربة، ويجد جمهورًا واسعًا يصفّق له. أصوات ترفع شعار “الاستغناء” و“اللامبالاة” وكأنها خلاص الإنسان الحديث. أما أنا فأكتفي بمراقبة ما يُعرض على مسرح الواقع من مشاهد متكررة حول معنى الحبّ وحقيقته، وأرى أن المشكلة أعمق بكثير من مجرد علاقة ناجحة أو فاشلة.
الحقيقة أن الإنسان لم يُحسن بعد مصالحة ذاته.
فهو يعجز عن حبّ نفسه حقًا، ويستمرّ في إنهاكها وتقويضها، ثم يتساءل لماذا لا يجد حبًا ناضجًا في الخارج. كيف يمكن لمن لا يقبل ذاته أن يقبل آخر؟ وكيف لمن يهرب من داخله أن يقترب من قلب غيره؟
المأساة الحقيقية تكمن في عجزنا عن احتمال شرط الحب الأول: الصدق.
أن نرى أنفسنا بلا تزويق، بلا أقنعة، بلا بطولة زائفة.
أن نقبل هذا الكائن القَلِق فينا، بتردده وضعفه واحتياجه، قبل أن نطلب من العالم أن يقبله.
حين نتصالح مع ذواتنا، يصبح الحبّ أقل ادعاءً وأكثر حقيقة.
أقل صخبًا… وأكثر حياة.
أقل خوفًا… وأكثر حضورًا.
وفي النهاية، لا يمكن للإنسان أن يمنح ما لا يملكه.
فابدأوا بأنفسكم أولًا.
حُبّوا حالكم… قبل أن تبحثوا عمّن يحبّكم.
التعليقات