لماذا نعشق النقاش من أجل النقاش فقط وليس من أجل التغيير في الواقع؟

​في جلسة مسائية مع ثلة من الأساتذة الزملاء في الميدان والأصدقاء، تأخرتُ عن النقاش؛ وبالأحرى وجدتهم مجتمعين في مقهى بمحض الصدفة... مباشرة بعد رؤيتهم اتجهتُ نحوهم، ألقيتُ التحية وسلمتُ عليهم. بصراحة، وجدتُ حواراً راقياً وجدياً، والأفكار كانت تتطاير من هنا وهناك.

​لما جلستُ، وجدتُ أحد الأساتذة يتحدث عن التلميذ في الثانوي التأهيلي، فقال بالحرف: "إن تلميذ الباكالوريا اليوم هو كتلميذ المستوى أولى إعدادي"، معززاً فكرته بأن على طالب التأهيلي أن يكون في المستوى المطلوب نظراً لأنه مقبل على الدراسة الجامعية التي تختلف تماماً عن الأطوار السابقة. وكنتُ متفقاً معه في هذه النقطة. ثم تدخل أستاذ آخر تحدث عن تأثير التكنولوجيا على التلميذ بصفة خاصة وعلى أفراد المجتمع بصفة عامة، بحكم أن وسائل التواصل الاجتماعي تحرق الوقت بسرعة الضوء وبدون فائدة. وتدخل الثالث وتحدث عن تاريخ فرنسا، وقال ربما هذه الأخيرة تتجه إلى حظر مواقع التواصل الاجتماعي في بلادها.

​على أيٍّ، تدخلتُ بما تيسر من أفكار مفادها أن التلميذ في الثانوي التأهيلي يحتاج إلى تأطير، وقلتُ إن الطالب الحالي ليس "طالباً" بمعنى الكلمة، والحرم الجامعي تقزم فكرياً وتحصيلاً؛ ربما بسبب نهج سياسة تقزيم أدوار الكليات لتقتصر على التحصيل فقط دون الإنتاج، من أجل كبح الوعي الجماعي للشباب. ومن ثَمَّ تحدثنا كذلك عن الذكاء الاصطناعي، وقلتُ إنه نقمة بدل أن يكون نعمة إذا لم يُحسن استغلاله. بصراحة، كان نقاشاً مستفيضاً...

​ولكنني قلتُ لزملائي: "حبذا لو ناقشنا موضوعاً واحداً، سيكون ذلك أفضل". ردَّ عليَّ أحدهم قائلاً: "لقد مررنا على مجموعة قضايا، أولها هجرة الكتاب وغياب فعل القراءة"، واتفقنا بالإجماع بأن التكنولوجيا ساهمت في ذلك بشكل أو بآخر.

​ولكن في الأخير طرحتُ عليهم سؤالاً جوهرياً: ما الحل...؟

​ردَّ عليَّ أحدهم وقال: "ربما لم تفهم الأمور بشكل صحيح"، وتقبلتُ نعته بكل تواضع (ههه). قال: "يجب على التلميذ مثلاً أن يحب القراءة من تلقاء نفسه". فقلتُ له: "إذن ما دورنا نحن كأساتذة؟ لماذا لا نقوم بمبادرات في أرض الواقع، كندوات أو ورشات ملموسة؟". فأجاب بأن الأمر ليس كذلك.

​المهم، أنا بصفتي ممارساً في الميدان ومناضلاً اجتماعياً وتربوياً، دائماً أحب "الملموس" في الواقع، أما نقاشاتنا المستفيضة فإذا لم تُغير شيئاً في الممارسة، فإننا نسكب الماء على الرمل فقط. العمل ثم العمل ثم العمل...

​وما أتعجب له هو أنني أجدني متحمساً أكثر من زملائي، ولا أدري لماذا...؟ لذا أتساءل بمرارة:

​أليس الصمت أرقى من إهدار الطاقة والجهد في نقاشات لا فائدة تذكر منها على أرض الواقع؟