كثيرًا ما نسمع من يقول زمن أجدادنا كان أجمل وكأن الماضي فردوس ضائع لا يُقارن بالحاضر. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل كان الماضي أفضل فعلًا؟ بل: لماذا نحن مشدودون إليه بهذا العمق؟ هل هو حنين إلى طفولتنا نحن؟ أم إلى دفء الجدة والجد؟ أم أن هناك شيئًا أعمق من ذلك كله؟
أول ما ينبغي الاعتراف به أن ذاكرتنا ليست عادلة. نحن لا نتذكر الماضي كما كان، بل كما أحببنا أن نتذكره. الطفولة، بطبيعتها، مرحلة قليلة المسؤوليات، حتى لو كانت مليئة بالحرمان أو القسوة. عقولنا تميل إلى اختزال الألم وتكبير لحظات الأمان، ولهذا يبدو الماضي أخف وزنًا، لا لأنه كان كذلك فعلًا، بل لأننا كنا صغارًا على حمل أعبائه.
لكن الحنين لا يقف عند حدود العمر. فالجدة والجد لم يكونا مجرد أشخاص، بل رمزين للاستقرار. كانا يمثلان الثبات في عالم لم يكن يتغير بسرعة مخيفة كما يفعل اليوم. وجودهما كان يعني أن هناك من يعرف كل شيء، ومن يملك إجابة جاهزة، ومن يمنح الحب دون شروط أو حسابات. وحين غاب هذا النموذج، غاب معه شعور نادر بالأمان.
ومع ذلك، فاختزال الحنين في الطفولة أو الأشخاص وحدهم يظل تفسيرًا ناقصًا. لأن ما نفتقده حقًا هو بساطة الإيقاع. الحياة قديمًا لم تكن أسهل، لكنها كانت أبطأ. العلاقات أقل، لكنها أعمق. التوقعات أقل، لكنها أوضح. لم يكن الإنسان مطالبًا بأن يكون ناجحًا، ومتوازنًا، وسعيدًا، ومنتجًا، ومتصلًا بالعالم على مدار الساعة في الوقت نفسه.
نحن لا نشتاق إلى الفقر، ولا إلى المرض، ولا إلى قلة الفرص. نحن نشتاق إلى زمن لم تكن فيه المقارنة اليومية جزءًا من وعينا، ولم يكن فيه القلق مشروعًا دائمًا. نشتاق إلى شعور أن الخطأ محتمل، وأن الحياة لا تُقاس كل لحظة بالأرقام والإنجازات.
من هنا، يصبح الحنين رسالة لا هروبًا. رسالة تقول إن في حاضرنا خللًا ما، وإننا بحاجة إلى إعادة النظر في طريقة عيشنا، لا في الزمن نفسه. فالماضي لن يعود، لكن القيم التي جعلته يبدو جميلًا يمكن أن تُستعاد: البساطة، الصبر، الدفء الإنساني، والمعنى.
التعليقات