يشيع في الخطاب العام الحديث عن تدنّي الذوق، وانحدار الفكر والسلوك، وتراجع القدرة على الإبداع والتجديد داخل المجتمع. ويكثر الجدل حول مصدر هذا الخلل، وتُوجَّه أصابع الاتهام في اتجاهات متعددة، دون أن يستقر الرأي على تفسير واضح أو مسؤول مباشر. غير أن هذا التخبط في التشخيص لا يعود إلى غموض الظواهر بقدر ما يعود إلى غياب الفهم الدقيق لطبيعة العلاقة بين الأغلبية والأقلية داخل المجتمع.
تظهر نتائج هذا الخلل في صور متعددة: ركود فكري، إعادة إنتاج مستمرة لنفس الأنماط، شعور دائم بالثبات، وتآكل بطيء في القدرة على التطور. وهي ظواهر تبدو منفصلة، لكنها في حقيقتها تصدر عن أصل واحد، هو اضطراب العلاقة بين الأغلبية والاقلية، والذى يفترض أن تكون بينهما علاقة تكامل لا صراع.
في بنيتها الطبيعية، تقوم المجتمعات على ثنائية واضحة: أغلبية تؤدي وتنفذ وتتابع، وأقلية تُنتج الأفكار والاتجاهات والرؤى. هذه العلاقة ليست حكمًا قيميًا ولا ترتيبًا أخلاقيًا، ولا تعبيرًا عن تفوق أو دونية، بل توصيف لوظائف اجتماعية مختلفة. فالأغلبية ليست مطالبة بالابتكار، كما أن الأقلية ليست مطالبة بالتنفيذ. الخلل يبدأ حين تختلط الأدوار، أو حين يُفرض على طرف أن يقوم بوظيفة لا يملك أدواتها.
عند اختلال هذه العلاقة، تميل الأغلبية إلى رفض أي فكر مختلف عمّا ألفته، وتسخر من أصحابه أو تعزلهم، دون استعداد حقيقي للاستماع أو الفهم. كما تُقصي المختلفين في سلوكياتهم الاجتماعية، فتدفعهم إما إلى العزلة والإحباط، أو إلى التماهي القسري مع الأغلبية، بما يشبه خيانة طبيعتهم الخاصة. وفي الحالتين، يخسر المجتمع طاقته الكامنة.
ولا يختلف سلوك المؤسسات كثيرًا عن سلوك المجتمع. فغالبًا ما تتبنى المؤسسات الرسمية والإدارية المنطق نفسه، فتُخضع القرار لمنطق الأغلبية، وتقصي الرؤى المختلفة، مما يؤدي إلى قتل أي محاولة للتجديد في مهدها. وبهذا تتحول المؤسسة، ومن ورائها المجتمع، إلى دائرة مغلقة تستهلك نفسها باستمرار، وتعيد إنتاج الواقع ذاته، مع شعور دائم بالثبات، دون إدراك أن هذا الثبات ليس استقرارًا، بل جمودًا.
إن الأسلوب الصحيح للتعامل بين الأغلبية والأقلية يبدأ من إدراك المجتمع لحقيقته: أن الأغلبية، بحكم طبيعتها، تابعة ومنفذة، وأن المختلفين هم رواد التطور والتقدم، بوصف ذلك سنة كونية لا فضل فيها لطرف على آخر. فالعلاقة بين الطرفين علاقة تكامل، لا إقصاء، وثمرة هذا التكامل تعود على الجميع في نهاية المطاف.
ويفترض أن يتحول هذا الإدراك إلى مبدأ عام تتبناه بنية المجتمع بأكملها. فالأسرة تحتضن اختلاف أحد أبنائها وتشجعه وتنمّيه بدل قمعه أو تطويعه قسرًا. والمجتمع يتقبل المختلفين، ويحتفي بهم، ويتخذهم نماذج يُقتدى بها بدل عزلهم أو السخرية منهم. أما المؤسسات التعليمية، فتغرس هذا المبدأ في نفوس الطلاب، وتسعى لاكتشاف المختلفين ورعايتهم وتقديم الدعم اللازم لهم. وكذلك المؤسسات الإدارية، التي ينبغي أن تحتضن أصحاب الرؤى والأفكار المختلفة، وتوفر لهم الإمكانيات، وتمكّنهم من توجيه المسار بدل إخضاعهم لمنطق الأغلبية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في النهاية يظل معلقًا دون إجابة جاهزة: إذا كانت الأغلبية غير مطالبة بالفهم، وغير قادرة عليه بحكم طبيعتها، وإذا كانت الأقلية غير مطالبة بإقناع الأغلبية، وغير قادرة على ذلك، فمن المسؤول إذن عن إدارة هذه العلاقة؟ يُترك هذا السؤال مفتوحًا، باعتباره دعوة صريحة للتفكير، وتحريرًا للمجتمع من وهم الإجابات السهلة، وخطوة أولى للخروج من دائرة التخبط والتيه.
التعليقات