13

ما الأولى بالمراعاة: حقوقنا المالية أم مشاعر الغير؟

صارحني أحد أصدقائي أن أحد أقاربه جاء يوم يشكوه ضيق الحال وطلب منه مبلغ كبير نسبياً على سبيل السلف وقد وعده أنه سوف يقوم بإرجاعه خلال شهر على الأكثر.

مرت شهور ولم يسمع صديقي من قريبه أي شيء فذهب إليه، واستقبله قريبه استقبال حسن ووعده بإرجاع المال "قريباً" وتمر الأسابيع وصديقي لا يسمع غير الوعود ولا يرى غير الابتسامات...لكن هذه الابتسامات تتخذ شكل أقرب للبرود كل مرة وتتغير الوعود إلى لهجة سأم وفتور يخاطب بها صديقي الذي من المفترض أن يرجع إليه ماله، وأصبح القريب يتهرب من صديقي ولا يرد على مكالماته حالياً.

الأساس في أي معاملة هي الثقة وأن كل طرف يوفي بوعوده ويهتم لحقوق الآخرين، لكن يحدث أن بعض الناس لا تهتم لحقوق غيرها طالما هم غير مجبرين، ولا نستطيع أن نعرف ذلك مسبقاً بل هي نتيجة التجربة.

وليس من المعقول أن نتعامل مع الجميع من منطلق التخوين وعدم الثقة فنجعل هذا يوقع على تعهد دفع، ونجعل هذا يوقع على استلام نقود، فهذا السلوك ينفر الناس ويبعث برسالة واضحة للجميع: أنا لا أثق بكم.

برأيك كيف نوازن بين ضمان حقوقنا المالية وبين مشاعر الآخرين في تعاملاتنا اليومية؟


سؤالك في غاية الأهمية، لأنه يمس منطقة حساسة بين صميم العلاقات الإنسانية وضرورات التعامل المالي. نحن كبشر نميل إلى أن نحافظ على روابط الود والثقة، لكن المال في كثير من الأحيان يختبر هذه الروابط بشكل قاسٍ، فيكشف ما لم نكن نتوقعه من الآخرين.

من الطبيعي أن نرغب في أن تسود الثقة وحدها بيننا وبين من نتعامل معهم، لكن التجارب المؤلمة مثل تجربة صديقك تجعلنا ندرك أن الثقة وحدها لا تكفي أحيانًا، وأن ضمان الحقوق لا يعني بالضرورة أننا نشكك في نوايا الطرف الآخر. فالكتابة أو التوثيق أو الاتفاق الواضح منذ البداية ليس علامة على سوء الظن، بل هو حماية للطرفين معًا، تمامًا كما يُشرّع الله البيع بالكتابة والإشهاد في القرآن الكريم.

المسألة تكمن في الكيفية والأسلوب. حين نطلب من الطرف الآخر أن نكتب اتفاقًا أو إيصالًا، نستطيع أن نقدمه على أنه إجراء منظم يحمي كل الأطراف ويمنع سوء الفهم، لا كرسالة بعدم الثقة. فالفارق بين أن أقول: “أريد أن أوثق هذا حتى أضمن حقي” وبين أن أقول: “خلينا نكتب ده عشان ما يحصلش لبس بعدين ونبقى كلنا مطمئنين”.

إذن، التوازن يكون في الجمع بين الحزم واللطف، بين وضوح الشروط وبين الحفاظ على الاحترام. فإذا كان الطرف الآخر جادًا ومحترمًا لن يرى في التوثيق إهانة، بل سيراه دليلًا على الجدية. أما من يرفض التوثيق من الأساس، فربما يعطينا إشارة مبكرة إلى أنه ليس أهلًا لأن نضع عنده ثقتنا المالية.