كثيرًا ما نظن أن الأصدقاء الذين نلتقيهم في مرحلة معينة سيبقون معنا إلى الأبد. نشاركهم تفاصيل صغيرة وأسرارًا كبيرة، ونشعر أن بيننا جسرًا لا يمكن أن ينكسر. لكن مع مرور الوقت، نكتشف أن بعض الجسور تهتز، وبعضها ينهار من غير خلافات ولا صراعات كبرى، فقط لأن الطرق افترقت والمسافات اتسعت.

أحيانًا تموت الصداقة ببطء، ليس لأن المحبة انتهت، بل لأن الحياة أخذت كل واحد في اتجاه آخر. ترى صديق المدرسة وقد صار غريبًا، وزميل الجامعة الذي كنت تقضي معه ساعات لا يجمعك به اليوم سوى رقم قديم في الهاتف. وفي المقابل، تبقى صداقات أخرى رغم البعد، كأنها شجرة عتيقة يكفي أن نسقيها بكلمة عابرة لتعود خضراء كما كانت.

وفي زمن الشبكات الاجتماعية والصداقات الافتراضية، صار السؤال أعقد: هل الصديق الذي نراه يوميًا خلف الشاشة يشبه ذاك الذي نجلس معه وجهًا لوجه؟ وهل دوام العلاقة مرتبط بالمسافة أم بالصدق والوفاء؟

أفكر أحيانًا: هل الصداقة حقًا "أبدية" كما نحب أن نصدق، أم أنها مثل الفصول، لها بدايات مشرقة ثم تخفت مع الزمن؟ وهل الوفاء يعني أن نظل متشبثين بعلاقة لم تعد كما كانت، أم أن الوفاء الحقيقي أن نقبل أنها أدت دورها في حياتنا ونمضي بسلام؟