ما بقي بعد الصمت

في كل مرة كنتُ أُصفع، كنت أقول: آسف.

أول صفعة تلقيتها كانت يوم ولادتي، حين ضربتني الممرضة لأتنفس. من هناك بدأت الحكاية. لم يتوقف الأمر عند حدود البيت أو الشارع، بل كان نصيبي أن أتلقى الصفعات في الحي، في المدرسة، وحتى من الأستاذ الذي يفترض أن يعلّمني.

أنا أنتمي إلى جيلٍ لم يدرّسه مربّون، بل خبراء في التعذيب بزيّ معلمين. لم نعرف إلا الضرب: صفعة تتلوها صفعة، وقبل أن يخمد ألم الأولى، كانت الثانية تهبط على وجهي. لم أكن وحيداً؛ كثيرون مثلي. أحدنا أكمل تعليمه وصار عبداً للوظيفة، وآخر صار تاجراً لا يفرّق بين الحلال والحرام. أما أنا، فقد توقفت عند لحظة محددة: يوم صَفعتني المعلمة أمام الفصل. كنت مراهقاً، ولم أستوعب ما حدث. غادرت المدرسة في ذلك اليوم، ولم أعد.

هل شعرتُ بالخطأ؟ لا أظن. هل حاول أحد إصلاح الأمر؟ لا أعتقد. حتى المدير كان ينتظرنا كل صباح أمام باب المتوسطة ليضرب المتأخرين. لم يكن هناك نقل مدرسي، كنا نخرج من بيوتنا قبل شروق الشمس، نمشي مرهقين، وأحياناً ننجو من العقاب لمجرد أننا وصلنا في وقتٍ أبكر من عيونهم. هل فكّر أحد بتوفير نقل مدرسي لنا؟ لا أظن.


التعليق السابق

يبقى الحل محصوراً بين خيارين لا ثالث لهما: الرحيل، أو البقاء ومحاولة التغيير، وفي كلا الحالين هناك ضريبة ثقيلة.

منذ أيام قليلة، حدّثني معلم عن واقعهم المأزوم، وقال بمرارة: "إن لم تتوافق مع المدير فسوف يبطش بك". ثم مضى في حديثه ليصف التلاميذ ضعاف الفهم بكلمة "الراكاي"، أي البضاعة الفاسدة التي لا تُباع.

تخيلوا! هؤلاء يزعمون أنهم ربّوا أجيالاً، فيما الحقيقة أنهم ترعرعوا في ظل منظومة لا تُنصّب إلا لملء الكراسي، بلا أثر للجودة أو الرسالة.