لاحظت مؤخرًا في بعض الأفلام والمسلسلات ترويج فكرة العلاقات المفتوحة، والتعامل مع الزواج الأحادي تريندًا قديمًا لا يؤدي إلا لفشل الزيجة، مع العلم أن العلاقات المفتوحة هي للشريكين وليست للزوج فقط، ولا تحتاج إلى زواج، بل هي قرار من كلا الزوجين بوجود علاقات عاطفية مع شركاء آخرين، لإبقاء العلاقة بينهما متجددة وحبهما يظل كما كان عليه قبلًا، دون ملل ورتابة الحياة الزوجية الأحادية "هذا حرفًا ما يُروّج له"!
طبعًا بعيدًا عن فكرة الالتزام بين الشريكين لخلق حياة مستقرة، لأننا جميعنا نعرف ذلك، ولكنني حاولت فهم منشأ هذا الرواج، ووجدته في مقاطع حتى لعلماء في علم النفس، وأظن إنه ما تستند إليه الأفلام..وهو أن الزواج مؤسسة متطلباتها كثيرة، من أمان واستقرار وشريك داعم وزوج/زوجة، أب/أم، وتربية أطفال، ووظيفة وقرارات مصيرية، هذا بدوره لا يترك مساحة لشعور المغامرة وحس الغموض الذي عادة ما يثير العاطفة ويحفز الغرائز عمومًا (هذا للرجل والمرأة كلاهما).
وعليه فكيف نتوقع من الشريك الآمن أن يكون مغامرًا أيضًا بعد أن صار التعوّد مألوفًا، مع روتين الحياة اليومية؟؟ وبرغم أهمية التساؤلات، إلا أن ما تروّج له تلك الأفلام، ليس هدامّا لمفهوم الأسرة فقط، بل هدامّا لكل المعايير نضج النفس، لأن حس المغامرة أصلًا هو مرحلة بدائية ليس إلا،والإنسان بعدها تلقائيًا يجد نفسه في حاجة إلى الاستقرار، وتخفيف القلق الذي يأتي من تساؤلات عدم الالتزام، فكيف نبرر إلى غياب الالتزام ووجوده معًا، والأدهى هو مع شركاء مختلفين؟؟؟؟ هذا مناف لأي عقل أو منطق.. فكيف تجدون فكرة الترويج للعلاقات المفتوحة؟
العلاقات المفتوحة ليست فكرة جديدة، لكن في السنوات الأخيرة ظهرت كثيرًا في الأفلام والمسلسلات والمنصات على أنها خيار “متطور” أو “واقعي” بدل العلاقات الأحادية. المشكلة أن هذا الطرح يتجاهل أن الزواج أو أي علاقة طويلة الأمد ليست فقط لإشباع المغامرة العاطفية أو الجسدية، بل هي مشروع مشترك يحتاج ثقة وأمان ومسؤولية من الطرفين.
انتشار هذه الفكرة له عدة أسباب. أولها طبيعة الأعمال الفنية نفسها التي تبحث دائمًا عن قصص مثيرة وجاذبة، والعلاقات المفتوحة تعطي أحداثًا مليئة بالمفاجآت والصراعات. ثانيها تأثير الثقافة الغربية التي تضع رغبات الفرد في المقام الأول حتى لو كان ذلك على حساب الالتزامات الطويلة. وثالثها أن بعض الآراء النفسية يتم عرضها بشكل مختصر ومشوّه، فيُركَّز على فكرة “إبقاء الشغف” دون التطرق لثمن فقدان الأمان والثقة.
المفارقة أن ما يتم تقديمه كنضج وانفتاح هو في الحقيقة عودة لمرحلة بدائية من العلاقات، حيث تتحكم الرغبات اللحظية في القرارات، بينما النضج الحقيقي هو القدرة على الموازنة بين الشغف والاستقرار، وبين المغامرة والمسؤولية. لا يمكن الجمع بين غياب الالتزام ووجوده في نفس الوقت، لأن الالتزام يعني بطبيعته الحصرية في المشاعر والوفاء.
الترويج للعلاقات المفتوحة في مجتمعاتنا أو أي مجتمع يقدّر الأسرة لا يخص فقط شكل العلاقة، بل يمس أساس الاستقرار النفسي والاجتماعي. لذلك من المهم أن يكون النقاش حول هذه الأفكار واعيًا، وأن نميز بين ما يُعرض في الأعمال الفنية للدراما والإثارة، وبين ما يُقدَّم كأنه أسلوب حياة يصلح للجميع.
شكرا ايريني على الموضوع الهام.. كعادة الموضوعات التي تطرحينها.
تحياتي
لا يمكن الجمع بين غياب الالتزام ووجوده في نفس الوقت، لأن الالتزام يعني بطبيعته الحصرية في المشاعر والوفاء.
بالضبط أستاذ محمد، هما يروجون لما هو مدمرًا للنفس البشرية وفطرتها، تحت مُسمى إبقاء الشغف، الإنسان بطبيعته يبحث عن الاستقرار والالتزام، وحتى لو بدا الإنسان القديم بعلاقات متعددة، فهو لأنه لم يجد وسيلة غير ذلك للتكاثر والتعامل مع الغريزة، وكل ذلك انتهى بفكرة الزواج الآحادي، لذا، تفكيكه والعودة إلى قانون الغابة (كما يروجون للطبيعة الحيوانية) هي ضد عمل الهرمونات وضد أي فطرة بشرية فعلًا.
شكرًا على تعليقاتك الثرية يا استاذ محمد.
التعليقات