صديقة لي كانت دائمًا تتكلم عن طفولتها بصوت منخفض تحكي إنها كانت تتعرض للإهانة المستمرة في البيت من والدها وسكوت الأم الدائم كلمة طيبة لم تسمعها منهم نجاحها الدراسي كان يُقابل بعبارات مثل "مش كفاية شفتي بنت خالتك أحسن" كبرت ومع كل موقف موجع كان قلبها يبتعد لكنها لم تستطع أن تكرههم بالكامل كانت تخدمهم وتراعيهم حتى وهي تبكي من الداخل حين دخلت الجامعة بدأت تدرك أن ما عاشته لم يكن أمرًا طبيعيًا وأن الحب لا ينبغي أن يكون مشروطًا بالإنجاز أو الطاعة العمياء لكنها ظلت تسأل نفسها هل ينفع أكون بنت صالحة وأنا زعلانة منهم؟ هذه ليست حكاية فردية فالكثيرون يعيشون صراعًا مؤلمًا بين الرغبة في البر والحاجة إلى التعافي بين احترام الوالدين والشعور الداخلي بالأذى نخشى التعبير عن ألمنا حتى لا نتهم بالعقوق لكن الحقيقة أن كثيرين يحاولون أن يكونوا أبناء صالحين رغم وجع دفين تسبّب فيه من كان يجب أن يكون مأمنهم
أن نكره أهلنا ونبقى صالحين... أليس هذا تناقض؟
المشكلة أن مجتمعاتنا تربط البر دائمًا بالرضا الظاهري وكبت المشاعر، حتى لو كانت تلك المشاعر نتيجة سنوات من الإهانة أو الإهمال أو المقارنة الجارحة. وكأن صلاح الابن يقاس بقدرته على التناسي، لا بقدرته على مواجهة الحقيقة. لكن الحقيقة أن البر لا يعني إلغاء الذات، ولا يتطلب أن نتجاهل الجرح أو ننكر أثره. من الممكن أن نحترم والدينا ونرعى احتياجاتهم، وفي الوقت نفسه نضع حدودًا تحمي ما تبقى من سلامنا الداخلي.
التعافي يبدأ حين نعترف أن ما مررنا به كان مؤلمًا، حتى لو جاء من أقرب الناس. هذا الاعتراف ليس عقوقًا، بل خطوة لفهم أنفسنا واحتياجاتنا، وفصل قيمتنا عن مقاييس الإنجاز أو الطاعة العمياء التي تربينا عليها. لأن البر الحقيقي يكون من وعي، لا من خوف أو شعور بالذنب.
صديقتك – وكل من عاش مثل تجربتها – ليسوا أقل برًا لأنهم ما زالوا يتألمون. على العكس، استمرارهم في العطاء رغم الأذى يعكس صبرًا ووفاءً كبيرين، لكن من حقهم أن يبحثوا عن موانئ أمان جديدة، حتى لو اضطروا لبنائها داخل أنفسهم. البر لا يُلغي الحاجة إلى التعافي، والتعافي لا يُلغي القدرة على البر.
بالظبط أرى أن المشكلة في نظرة المجتمع التي تربط البر بالصمت وكبت المشاعر حتى لو كانت نتيجة أذى أو إهمال لسنوات طويلة وكأن الابن الصالح هو من يتجاهل ما شعر به ويتناسى كل ما حدث بينما البر الحقيقي برأيي لا يعني إلغاء الذات بل القدرة على احترام الوالدين مع الحفاظ على حدود تحمي سلامنا النفسي نحن لسنا أقل برًا إذا اعترفنا أن ما مررنا به كان مؤلمًا الاعتراف هنا خطوة للتعافي وليس عقوقًا بل هو وعي يساعدنا على الاستمرار في العطاء دون أن نخسر أنفسنا البر يمكن أن يتعايش مع التعافي والعكس صحيح المهم أن ندرك أن سلامنا النفسي لا يتعارض مع واجبنا تجاه أهلنا
التعليقات