صيد الأفكار

ZAROUALI

صيد الأفكار

أرى أسرابا من الأفكار التي تحوم حول دماغي لكنها لا تستطيع الهبوط على أرضية رأسي. أعرف كل واحدة من هاته الطيور: الغبية منها و كذا الذكية، البريئة منها و حتى الشيطانية...لكنني عاجز عن إستحضارها و إن حضرت فلست بقادر حتى على تصريفها.

حاولت اصطيادها واحدة تلو الأخرى و في كل مرة تتكلل المحاولة بالفشل الذريع. صرت لها صيادا متمرسا رغم أن شباكي تعود فارغة بعد كل رحلة صيد...أضحيت أعرف أن لكل نوعية من الأفكار طريقة خاصة في استدراجها، إلا أن قلمي مستمر في الفشل و عدم قدرته على تقييدها و تكبيلها على الورق.

لتصطاد الأفكار الإيجابية مثلا فأنت بحاجة ماسة إلى مجموعة من الأسلحة. لعل أولها التفاؤل، تلك النظارات البصرية التي تصحح نظرتك للحياة فتملؤها ألوانا و تهبها رونقا جديدا.

و قد يكون ثانيها ثقتك اللامتناهية في التصريفات الإلهية، ذاك السلاح الذي يزيح عنك عوسج دروب الحياة و يخفف عنك كل أوزار الهموم...

أما ثالثها فهو أفتكها و أكثرها تصويبا فلربما هو: الإصرار. فإن رغبت في شيء ما فسخر له معظم وقتك و لا تبخل عليه بأغلب جهدك ولا تحرمه من مجمل تفانيك...

و كن على يقين أن تسلحك بهذه الأسلحة لا يعفيك من التمرن و الاستعداد، فنجاح رحلة صيد الأفكار الإيجابية مرهون بجودة أسلحتك و أيضا بمستوى استعدادك و تمرنك.

أما بخصوص صيد الأفكار السلبية و السوداوية،فاعلم أنك لست الصياد بل الطريدة. قد تظن نفسك من أمهر المتربصين، لكن صدقني فأنت أمامها لست سوى فريسة لا حول لها و لا قوة.

تأتي إليك متسللة و متخفية،فتسرق منك غبطتك و ابتسامتك و أنت لا تدري حتى لم أنت عابس. تخترق دفاعات أفراحك فتحيل أنصع أحلامك إلى أحلك كوابيسك. تسيطر على كل شبر من تفكيرك حتى تقتل آخر بصيص أمل فيك كما تقتل الأرملة السوداء زوجها...

لكي تنجو من قسوة براثنها و من حدة أنيابها، فلا ملجأ لك و لا سبيل لك إلا أن تخطو الخطى في مسالك المعرفة حتى تتعلم بعضا من أساليب البقاء.

قد تكون الخطوة الأولى للنجاة منها هي أن تجد ذلك الملجأ الآمن الذي يحميك من قيظ حر التشاؤم و من لسعة برد القنوط و من هلع خطر الإنتحار. إن ملجأك هذا لم يكن يوما غير نفسك.

لا شك أنك تعلم أن الحصون لا تخترق إلا من الداخل، فما بالك بنفس بشرية محصورة بين مطرقة الشكوك و سندان الوساوس. فلا تسأل اللجوء إلى حماها إلا بعد أن تحصنها من الداخل بأسوار عالية من العلم و بوابات شامخة من الإيمان،لا تفتح دفاتها لغيرك بغير مفاتح تنوء بالعصبة أولي القوة.

أما ثاني خطوات النجاة فليست سوى الزاد و المؤونة. فبقدر حاجتك إلى راحلة تحملك في رحلتك هاته، فأنت بحاجة لقوت يصلب عودك و يشد من أزرك. إن كانت راحلتك تلك هي عزيمتك و إصرارك، فكن متيقنا أنك لن تجد زادا خيرا من زاد قد أوصى به رب العباد و لو حرصت. فكما أن الزاد غالبا ما تكون عبارة عن ماء و طعام، فالتقوى هي الحرص على النهل من بئر الخوف من الجليل و الاقتيات من شهد العمل بالتنزيل.

لقد صدقوا حين قالوا "حياتك من صنع أفكارك". فأغلب تفاصيل حياتك ما هي إلا نتيجة اختياراتك. وكثيرا ما تكون هاته الأخيرة مجرد حصيلة لأفكارك و طريقة تفكيرك. فاحرص كل الحرص على محاولة صيد كل فكرة إيجابية تحوم حول رأسك. حتى لو فشلت في الإمساك بها، تكفيك المحاولة للإنتفاع بها. و إياك ثم إياك و الإقتراب من دائرة الأفكار السوداوية، فإن سمعت حسيسها و شممت رائحتها فطبق ما تعلمته من أساليب البقاء حتى تنجو بفكرك و بالتالي بحياتك.

د. محمد جمال الدين الزروالي


التعليق السابق

بداية أود أن أحييك على تقنية كتابة أول الفكرة في أي مكان، حفاظا عليها من التلف و الضياع و سط أكوام القش من آلاف الأفكار التي تحط يوميا على رؤوسنا...فقدوتك في تلك التقنية سلف الأمة الصالح من أمثال "ابن الجوزي" و " الإمام الشافعي" و غيرهما كثير ممن قاموا في جوف الليل لتسجيل فكرة قبل أن تفل.

من خلال سؤالك أحسست بنسمة طفيفة من التشاؤم و الخوف من الأمل و التفاؤل،و كأن الحياة و قسوتها أفقداك الثقة في المستقبل.

فلتعلمي عزيزتي أن الحياة من دون التفاؤل كاللوحة الفنية الخلابة من دون ألوان. جرعة من الأمل و حفنة من التفاؤل لكفيلتان بتغيير نظرتك للأشياء، كما أنهما رغم صغر حجمها قادرتان على تبديل طريقة تفكيرك و بالتالي أسلوبك في الحياة.

أرجوك لا تعتبري التفاؤل كالسراب الذي يحسبه الضمآن في الفلاة ماء فلا يجده سوى كتبانا رملية. على العكس تماما،اليأس و التشاؤم من مداخل الشيطان و سلاحان فتاكان في يديه. بهما أضل الكثير من العباد لأنه أيأسهم من رحمة الله، و بفضلهما حول حياة الملايين من الناس إلى جحيم في الحياة الدنيا،حتى بدا لهم أن الانتحار رصاصة الرحمة التي ينتظرونها.

هل سمعت يوما أن شخصا انتحر بسبب التفاؤل؟ و هل وصل إلى مسامعك أن إنسانا فقد عقله بسبب الأمل؟ إسألي كلا من المرضى و المبتلين و المسجونين...فعندهم الجواب الشافي.