وهم النجاح

عرفت فيما مضي رجلاً طاعناً في السن .. عاش مع المرض سنوات طويلة من عمره .. حتي ألف المرض و ألفه المرض .. كنت أتعجب كثيراً لأمر هذا الرجل المريض .. فقد كان مصدر فخره دائماً أن معالجيه هم أكبر الأطباء .. لم يكن يتحدث عن مرضه بقدر حديثه عن هؤلاء الأطباء .. كنت أظن أنه لا يتمنى الشفاء حتى لا يفقد هذا الأحساس بالفخر كلما تحدث عن طبيبه الفلاني صاحب أعلي أجر بين زملاؤه ..عاش هذا الرجل حياته لا يعرف فيها نجاحاً غير هذا .

بعض الناس ممن يعملون في وظائف متواضعة لا يكفون عن الحديث في مجالسهم عن قيمة أعمالهم .. و عن قدر إنجازهم في تلك الوظائف .. و كيف أن العمل لا يمكن أن يتم في غيابهم .

و قد سمعت من بعض النساء حديثاً عن إبنها الفاشل تعدد فيه مواهبه و كيف أنها أسدت إلي العالم أعظم معروف حين أهدت للكون هذا المخلوق.

الإنسان لا يعترف أبداً بفشله .. يمنعه كبرياؤه عن هذا الإعتراف .. و دائما ً ما يبحث لنفسه عن إنجاز في حياته .. عن موضوع لحديثه بين الناس .. لقد كان سبارتاكوس ملكاً .. و لكنه كان ملكاً للعبيد .. لذا لم يذكر له التاريخ أعمالاً عظيمة .. عاش ملكاً للعبيد و لكنه في النهاية مات ميتة العبيد.


نحتاج أحيانا للمبالغة مع أنفسنا بمباركة الإنجازات مهما كانت، ولكن يبدو أن الذي بين هذه الإنجازات الحقيقية والوهمية مسافة لا تذكر، كما أن المحيط المحفز والمبالِغ بشدة قد يدخلنا في دوامة من الهالات الوهمية حول إنجازاتنا وقيمة أعمالنا في أنفسنا .

ذلك أن انطباع الإنسان أنه ذو منفعة لنفسه ولمن حوله شعور ثمين ولا نمسح وجوده في شخصياتنا ظهر هذا أو خفي، ولكن أعتقد بأن الأهم هو ما هو مفهوم الإنجاز لديك، وما مدى عوائد هذا الإنجاز عليك؟ متى تشعر بأنك قد حققت إنجازًا ما؟ هل المباركة على الإنجازات تحدث فرقا لديك مع الكل ؟

المسافة بين الإنجاز الحقيقي و الوهمي هي نفس المسافة بين النجاح و الفشل .. و هي المسافة التي لا يدركها من يقع في فخ النجاح الوهمي

في مجال الأعمال، حينما نرى تقارير الأداء وندرسها يبدو الإنجاز مهيبا خاصة إذا كانت الإحصائيات مرتفعة ومبشرة، وإذا كانت غير هذا كان طريق الإصلاح واضحاً، ولكن في حياتنا العادية، كيف نلمس إنجازاتنا؟ كيف نقرر أن هذا الإنجاز محسوسا؟ قد يكون هذا بازدياد التتابع عليه، أو جدوى نتيجته سلبا وإيجابا، قد يكون كذلك بذلك الشعور المنتصر على الكسل الذي يظهر علينا بانتشاء.