حدث خلاف كبير بيني وبين مديري في العمل، وتطور الخلاف بحيث تعالت أصواتنا بدرجة لفتت إنتباه الزملاء المحيطين بنا.
المشكلة أنني قد سمعت الكثير من الإتهامات الباطلة والتي سرعان ما أدخلتني في نوبة من العصبية والتوتر، وانتهى بي الحال في تلك الليلة أن ذراعي الأيمن كاد أن يصاب بالشلل التام.
لقد شعرت برعشة في ذراعي لم أعتد حدوثها من قبل، أعصاب يدي لم أعد أشعر بها، لقد عشت ليلة من أسوأ الليالي التي مرت بي في حياتي.
في صباح اليوم التالي كانت الأمور أفضل نسبيا، ذهبت إلى الطبيب وأخبرته بما حدث تفصيلا، وهنا قال لي: " أنت المخطئ!".
كدت أن أنفعل مرة أخرى، ولكنه تابع حديثه قائلا:
"كان بالإمكان أن تغلق أذنيك عن الإستماع لما يزعجك، كان بالإمكان أن لا تجعل الكلمات تمر على عقلك أصلا، كان يمكن أن تغادر المكتب، أو لا تحضر إلى جلسة أنت تعلم يقينا أنه سيبدأ بمهاجمتك فيها!
والأهم من ذلك كله أنك كنت تستطيع أن تتحكم في مشاعرك أو أن تفرغها في أي أمر من الأمور، كان يمكنك الذهاب إلى أي صالة رياضية لتفرغ بها شحنة الغضب، أو حتى تجري قليلا."
لم يروقني كلامه، وشعرت بأنه لا يُقدّر الموقف كونه لم يتعرض له فقلت له:
" يا دكتور لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الإتجاه، إنها قاعدة شهيرة يا دكتور، ولكن يبدوا أنك لم تسمع بها قبلا ".
لقد كنت أشعر بغيظ كبير وأردت فقط أن أجبره على السكوت.
ولكنه فاجئني بقوله:
" ما بين الفعل ورد الفعل توجد مسافة أنت فيها حر ".
وتابع حديثه:
" ربما كلامك صحيح، ولكن رد الفعل غير ملزم، ففي النهاية مديرك لم يجبرك على أن تدخل في تلك النوبة العصبية، أنت من إخترت أن يكون هذا التصرف هو رد الفعل، أليس كذلك؟!!"
....
كيف تنظرون لتلك العبارة، هل هي واقعية ومنطقية؟
هل تتذكرون مواقف مشابهة من حياتكم، تعتقدون أنكم كنتم تملكون فيها خيارا أفضل بالنسبة لردود أفعالكم؟
كيف تنظرون لتلك العبارة، هل هي واقعية ومنطقية؟
أراها منطقية، لكنها تشكل تحدي كبير في حياتنا الواقعية، خصوصاً لما يكون الخلاف مع أشخاص يغفلون عن الطريقة السليمة لبدء أي نقاش كيفما كان، حيث يناقشون بإنفعالية وعصبية كبيرة تجاه أي موضوع. في النهاية لا يمكننا التحكم أبداً في الطريقة التي يناقشنا بها بعض الأشخاص، لكن بإمكاننا دائماً التجاهل ولو كان صعباً، خصوصا عندما تكون الإتهامات خاطئة.
هل تتذكرون مواقف مشابهة من حياتكم، تعتقدون أنكم كنتم تملكون فيها خيارا أفضل بالنسبة لردود أفعالكم؟
في الحقيقة أني إنسان عصبي حقاً، وتستطيع كلمة صغيرة من طرف أي شخص أن تُخرب مزاجي بسهولة، أصبحت أختار السكوت دائماً مكان مُواجهة أشخاص يجهلون طريقة الحوار الصحيحة. لا جدال في أن السكوت كثيراً أيضاً قد يكون سبباً مٌباشراً في أغلب المشاكل الصحية النفسية وأيضاً الجسدية. بالنسبة لي، أفرغ كل طاقتي السلبية في الإستماع لموسيقى جديدة أحبها مثلاً أو أي شئ آخر أحبه وأستمتع به.
إذا أنت تتفق معي يا عبدالله أنه لابد من حدوث تفريغ لطاقتك بشكل أو بآخر، هل سيفلح هذا دائما.
أتذكر أنني كنت أعمل في أحد الشركات المتخصصة بالتدريب، وقبل أن أتركها بأيام حدث حوار هاتفي بيني وبين مديري وقتها، لقد آثرت السكوت ولم أنطق بحرف واحد، ولكني شعرت بعدها رغم مرور ساعات بغليان في رأسي ولم تفلح كل محاولاتي للتهدئة أبدا، لدرجة أني فكرت في أن أبتاع مهدئا من الصيدلية رغم أني ضد مبدأ تناول العقاقير الطبية بشكل متكرر، ولكني فعلا كنت في حالة يرثى لها، وتمنيت وقتها أن تُعاد تلك المكالمة فقط لأرد عليه كل كلمة قالها.
فهمتك عزيزي محمد، هذا هو بالضبط دور الأشياء التي نفرغ فيها طاقتنا السلبية، أشياء نقوم بها بحُب تُنسينا أي هم كيفما كان نوعه.
في الواقع أنني أيضاً واجهت مواقف كثيرة كهذه التي مَررت منها. لكن دائماً ما أذكر نفسي بالنتائج والعواقب السلبية جداً التي قد تنتج من أي ردة فعل في غير محلها. مرات كثيرة أفقد القدرة على التنفس، وألم في القلب بسبب إرتفاع الضغط.
وصدقني أن العكس صحيح تماما عندما يكون الإختيار هو السكوت، والذي قد يعتبره الكثير "ضعف"، إلا أني أراه مصدر قوة ونضج.
التعليقات