إستغربتُ حقًا حين قرأتً دراسة لفريق من جامعة "كاتانيا" الإيطالية تضم الفيزيائيين "أليساندرو بلوتشينو" و"أندريا رابيساردا" والاقتصادي "أليسيو بيوندو" ، مفادها بأن الأشخاص الأكثر نجاحًا في العالم ليس بالضرورة أن يكونوا من فائقي الذكاء أو أنهم يمتلكون موهبة ، بل ربما لأنهم يملكون الحظ السعيد، وذلك بعدما أجرى الباحثون محاكاة حاسوبية للمجتمع تحاكي مجتمعًا يعمل فيه ألف شخص يمتلكُ كل واحد منها مهارة مختلفة عن الآخر ، وذلك لمعرفة هل من الممكن أن يلعب عامل الذكاء ، إتقان المهارة ، المثابرة ،الكفاءة أو رجاحة العقل في نجاح الشخص أم لا!
ربما الآن على وجهكم الإستغراب والذهول من هذه النتيجة مثلي تمامًا ، فمن المعروف لدينا بأن الشخص الذي يتمتع بموهبة عالية ويبذل جهدًا في تنمية تلك الموهبة قد يكون شخصًا ناجحًا بالفعل !
لكن إن صحت تلك الدراسة ،هل يعني أن الذكاء العالي قد يكون نقمة وليس نعمة؟! هل يجب على الأشخاص الذين يتسمون بالذكاء العالي وفي نفس الوقت قد يكونوا قليلي الحظ بألا يبذلوا أي جهد ما في سبيل حصولهم على المال ؟! لِمَ ننفق الملايين على مراكز تدريب أدمغة الأطفال مثل برنامج حساب الذكاء العقلي وغيرها من البرامج الأخرى ؟! هل يعني أن البحث عن الذكاء في حد ذاته مهمة حمقاء ؟! أم ماذا بالضبط؟!
حاولتُ أن أتعرف على وجهات النظر المختلفة إزاء هذه الدراسة وخاصة المؤيدة ، وبالفعل قرأتُ بعضها وبدأ لي كأنهم يهمسون في أذني ويتساءلون ، ألا ترين أن هناك الكثير من الأثرياء من ذوي المواهب المتواضعة؟! فمثلًا أنظري إلى مارك زوكربيرج المؤسس المشارك لميكروسوفت بيل غيتس ألم يترك مدرسته عند الثانوية العامة ولكنه تربع على عرش الثراء وغيره الكثير؟!
في المقابل هناك الفنان العبقري "فان جوخ" رغم أنه عبقري في عمله لكنه لم يبع أي من لوحاته والتي بلغ عددها 1650 ومات فقيرًا وهناك العبقرية الكاتبة الإنجليزية "فيرجينيا وولف" والتي أغرقت نفسها في نهر أوس نتيجة حياتها المأساوية.
يبدو أنني بدأتُ أشعر بأن مقولة الكاتب "إرنست هيمنغواي" :"السعادة عند الأذكياء هي أندر شيء أعرفه" أحيانًا بأنها صحيحة تمامًا .
برأيك... الأشخاص الفائقو الذكاء هم أقل نجاحًا من الأشخاص محدودي الذكاء أم العكس ولماذا ؟
يمكن للرأي بهذا الأمر أن يؤثر على نظرتنا للحياة بشكل عام، وهذا الأمر يحتاج نقاشاً طويلاً لا يمكن استغلاله تاماً في مجرد تعليق.
في هذا الموضوع وهذه الدراسة الكثير من المتغيرات التي قد تغير من الاستنتاج الذي وصلوا إليه، فيا ليتما شاركتي معنا تلك الدراسة حتى نطلع على حجم العينات التي أخذوها في التوصل للاستنتاج، وتعريفهم للذكاء، وتعريفهم للنجاح، وما هذه المحاكاة الحاسوبية بالضبط؟ وكيف تعمل؟ وما مدى دقتها؟
أولاً قبل أن نبدأ بانتقاد هذه الدراسة علينا أن نعرف الذكاء، الذكاء قد يمكن تعرفه بأنه القدرة على حل المشاكل بسرعة، وقد يمكن أن يعرف على أنه سرعة الملاحظة، أو سرعة البديهة والفطنة. وفي أي شيء يكون الذكاء؟ أيكون في العلوم المجردة؟ أم في الفلسفة؟ أم في التعامل مع المجتمع؟ أم في الرياضيات؟ أم في العاطفة؟
الذكاء ليس هدفاً بحد ذاته، الذكاء أداة يستعملها المرء فيما يريد، قد يستعمل الذكي ذكاءه في مطاردة شغفه، قد يكون شغفه تغيير المجتمع نحو مسار أفضل، أو أن يساهم في إضافة علم جديد، أو اكتشاف آلة جديدة، وقد يكون منهم من أراد المال، ومنهم من أراد القوة، لكن المال والقوة ليسا المعيارين الوحيدين لقياس سعادة المرء.
من ناحية النجاح، فالأمر ليس أبيضاً وأسود لكي نخرج باستنتاج بسيط ك"ما زاد ذكاءك قلت فرص نجاحك"، أول سؤال للإعتراض على هذا الاستنتاج: ما هو النجاح؟ هل هو بناء إمبراطورية تجارية تسيطر على العالم؟ أم مجرد الرضا عن حالك؟ هل أعتبر ناجحاً إذا كان عندي مال أقدر به أن أتلاعب بمشرعي الدول؟ أم أعتبر ناجحاً لو كانت لدي عائلة أرضى بها وأسعد برؤيتها؟ ودونكم قصة صياد سمك كان نائماً على قاربه في بحيرة صغيرة، فرآه تاجر ذو مال وقال له ما تفعل؟ فأجابه الصياد: ممسك بصنارة لأصطاد سمكة لغدائي. فقال له الرجل: لمَ لا تصطاد خمس سمكات؟ وتبيع أربعة منها كل يوم وتفعل ذلك إلى أن تشتري شبكة وتصطاد بها عشرين سمكة وتبيع إلى أن تملك قارباً كهربائياً وتصطاد سمكاً كثيراً وتشريه فتشتري بالمال بيتاً كبيراً على شاطىء جميل؟ فسأله الصياد: وما أفعل بعد ذلك؟ قال: عندئذ تسترخي وتستمتع بالحياة! فقال الصياد: وما تظنني أفعل الآن؟!
لكن سوف آخذ بتعريف النجاح بأنه المال، يمكن حينئذ أن يقال أن الأذكياء ليسوا بحال هذا المال وهم مدركون لوقتيته وزوال قيمته، وأنا بنفسي أعلم أناساً أذكياء ومتعلمين لو أرادوا إنشاء المصانع والمحلات والمبائع لفعلوا ولربحوا الأموال الكثيرة لكنهم يعرضون عن ذلك لإدراكهم للشقاء الذي فيه ولأنهم لا يطمعون في دنياهم بأكثر من راحة البال. فليس الذكي لا يقدر على النجاح بل على الأغلب لا يريد النجاح أصلاً.
والسعادة لا تقاس بالأموال، تقاس السعادة بمدى الرضا بالنفس والقناعة بالحال، فكم من ثري لم يعلم من الدنيا إلا الهم والكآبة وكم من فقير رضا بحاله فكان أسعد حالاً من كثير من الأثرياء -وإن كان هذا لا يغني عن حقيقة أن المال يساهم في منع العديد من المصائب عن حياة المرء، لكنه ليس الشيء الوحيد الذي يصلح حال المرء-، لكن هذا لا يعني أن الأذكياء يعيشون بسعادة، بل الأغلب أن الأذكياء أكثر عرضة من غيرهم على الشعور بالحزن.
أما ما قلتم حول بيل غيتس وأن له مواهباً "متواضعه" فعندي عليه اعتراض، وهو أولاً أن كثيراً من النظم الدراسية حتى في الدول المتطورة لا تفضل الذكاء بل تفضل الانضباط وترتيب الوقت والدراسة المتواصلة، وثانياً لو فرضنا أن الرجل ليس ذكياً في الرياضيات والكيمياء، فمن قال أنه ليس ذكياً في أمور التجارة والإقتصاد؟ ومن يقول أنه ليس ذكياً في فهم الحواسيب التي كانت لا تزال جديدة في عصره وغير مشمولة في منهجه الدراسي؟
لكن، وعلي الإعتراف، أننا لو عرفنا الذكاء على أنه العلم بأمور العلوم الطبيعية والرياضيات أي العلم المجرد، فإن هذا لا يكفي للنجاح المالي، يشهد من كان في معترك عالم الأعمال أن الناجح ليس الذي يعرف أسرار وخفايا الكائنات الحية، بل الناجح في عالم الأعمال هو الذي يقدر أن يكون العلاقات مع أغلب الناس، والذي له حس اقتصادي ضخم، وذكاء من ناحية المجتمع وقدرة على المخاطرة وأخذ الفرص أينما كانت، وهذا ما لا يقدر عليه أي أحد.
كما علينا أن نعلم أن النظام الإقتصادي الذي يسود العالم الآن، لا يساند الأذكياء أهل الأفكار الجديرة بقدر ما يساند أهل القدرة على تسويق هذه الأفكار.
السعادة عند الأذكياء هي أندر شيء أعرفه
في هذا القول وجه صحة، بل قد يكون صحيحاً تماماً، لكن ليس من الناحية التي قد تظنونها، ولا يمكن بأي حال أن تعم حالة واحدة على جمع كبير من البشر. هناك دراسات عدة تثبت أنه كلما زاد ذكاء المرء زادت معه فرص أبتلائه بالأمراض النفسية من قبيل الإكتئاب والقلق وما إلى ذلك، والسبب في ذلك أن الذكي يميل إلى التفكير في كل الأمور والإحتمالات، ويأخذه هذا التفكير إلى مختلف الاستنتاجات، فيرى مثلاً أمامه حال الدنيا وما فيها من شقاء للضعفاء وإعراض من الأقوياء عن مساعدتهم، فيشعر -ولسبب جيد- بخيبة أمل ضخمة وانعدام الأمل بالبشر.
كما يجب الأخذ بالاعتبار، أن الإنجاز في مختلف حقول المعرفة، والإكتشافات العلمية، لا تأتي بسهولة، بل تحتاج إلى وقت كثير وجهد ضخم من الدراسة. فلو كان يعمل فيه شخص له شغف بدراسته، فإنه يصب قلبه وعقله فيه، ولا يشغل نفسه بأي شيء آخر، وعندما يذهب للاجتماع مع صديق أو رفيق أو عندما يذهب للقاء حفل من الناس، يجدهم يتكلمون عن لعبة القدم الأخيرة، أو الفلم الجديد، أو اللعبة التي نزلت قبل أسبوع، وهو لا يعلم عن هذه الأمور شيئاً لانشغاله بأشياء أخرى فيصعب عليه أن يتحدث معهم ويكون صديقاً دائماً مع الكثير من الناس، فيشعرهم هذا الأمر بالوحدة والعزلة فيكونون أكثر عرضة للحزن والشقاء. كما أن خلال التاريخ وقبل انتشار التعليم كان الذكي البارز يفكر بأمور لا يفهمها من حوله فيصفونه بالجنون فيعيش في حال نفي عن مجتمعه مما يجعله معزولاً عن مجتمعه، كما أشير أن المنشور كان يقارن بين شخصية عاشت في القرن السابع عشر وشخصية تعيش في القرن الحادي والعشرين وهذه مقارنة باطلة.
طبعاً هذا الكلام قد يخيف الناس عن الذكاء، وقد يعتبره البعض نقمة، لكن المجتمع لا يمشي للأمام إلا بمن يترك نفسه ويطارد شيئاَ أكبر منها، والأذكياء في هذا المجال أنجح، فهم من يكشفون أكاذيب السياسين، وهم الذين يقترحون الحلول الإجتماعية، وهم من لا يدع التجار الغشاشين يغشون الناس. وهم في حال الحروب يكتشفوون الأسلحة ويطورون الأساليب والاستراتيجيات الحربية (وإن كان بعض الناس يعتبر هذا الأمر نقمة لكن بدون تطوير الأسلحة لكان الأمل بالفوز بحرب ضئيلاً). فوجود هؤلاء الناس مهم، ويعتمد الأمر على الدولة والمجتمع لتقديم مكان لهم لأنهم إن كثروا، كثرت معهم العلوم التي تساعد الناس، ولكن طبعاً فإن منهم من هؤلاء الأذكياء من لا يرى غير نفسه ولا يهمه إن داس على من يظنه أقل منه.
التعليقات