الهدهد وسليمان: مدرسة في الانضباط وتطوير الذات

   أثناء تصفحى للأخبار صباح هذا اليوم جائتني رسالة تدبرية - لا أعلم من أرسلها- و لكن هذه الرسالة فتحت شهيتي للكتابة في هذا الموضوع ، و احببت أن اشارك القراء لتعم الفائدة .

  قال تعالى في سورة النمل (20–28):﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ ۝ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَاْذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ۝ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ۝ إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ۝ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ۝ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۝ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ۝ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ۝ اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾.

  في القرآن الكريم، قصص ليست للتلاوة فحسب، بل هي رسائل حياة. ومن أبدعها قصة الهدهد مع سليمان عليه السلام في سورة النمل. طائر صغير، ظنه البعض ضعيفًا، فإذا به يصبح مفتاحًا لهداية أمة. هذه الصفحات رحلة تأملية وعملية، لا تكتفي بالتفكر في المعاني، بل تحاول أن تنقلها إلى حياتنا اليومية، لنصنع من انضباط الهدهد وتواضع سليمان منهجًا لتطوير ذواتنا.

الهدهد والانضباط

   الهدهد لم يكن مجرد طائر في جيش سليمان عليه السلام، بل كان جزءًا من منظومة محكمة تتسم بالصرامة والدقة. حين لاحظ سيدنا سليمان غيابه، لم يمر الموقف مرورًا عابرًا، بل سجّله بدقة وساءله عن غيابه.

 هذا المشهد يعكس قيمة كبرى: الانضباط أساس البناء الحضاري. فلا حضارة ولا مؤسسة ولا مجتمع ينهض إذا كان الأفراد يتعاملون بلا التزام. الانضباط ليس قيدًا، بل هو ضمان للاستمرارية، فكما لا يمكن لآلة أن تعمل بإتقان إذا تعطّل أحد تروسها الصغيرة، كذلك المجتمع لا يستقيم إذا أهمل أفراده مسؤولياتهم.كما أن غياب جندي واحد في جيش سليمان عليه السلام كان يستدعي مساءلة، فإن غياب موظف واحد عن أداء مهمته اليوم قد يعطل منظومة كاملة في مؤسسة أو فريق عمل. الانضباط الفردي هو ما يصنع النجاح الجماعي.

  من هنا نتعلم أن الانضباط ليس مجرد عادة، بل هو ثقافة وسلوك يعبّر عن احترام الفرد لنفسه ولمحيطه.

قيمة التثبت من الأخبار

  عندما عاد الهدهد بخبره العظيم، لم يُسارع سليمان عليه السلام إلى تصديقه، بل قال: ﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. في هذا الموقف نرى قاعدة ذهبية: التثبت قبل اتخاذ القرار.كم من النزاعات والفتن بدأت بخبر لم يُتحقق منه! وكم من القرارات الخاطئة بُنيت على معلومة ناقصة أو مضللة!.كم من إشاعة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، وأحدثت ذعرًا أو فتنة، ثم ظهر أنها لا أصل لها! إن التسرع في الحكم دون تحقق يشبه تصديق أي خبر بلا دليل، بينما التثبت – كما فعل سليمان عليه السلام – يحمي الأفراد والمجتمعات من الانهيار.

 الدرس هنا يتجاوز الزمان والمكان، فهو دعوة دائمة للتفكير النقدي، لعدم الانسياق وراء الانفعال أو الشائعات، وللتمييز بين الحماسة العاطفية والعقلانية المتأنية.

 وبذلك تصبح قيمة "التثبت" أداة لتطوير الذات، فهي تدرب العقل على الصبر والبحث والتأمل قبل الحكم.

الانتماء والوعي الرسالي

 الهدهد لم يكن ناقلًا للخبر فحسب، بل كان مفعمًا بالغيرة الإيمانية. لم يكتفِ بوصف مملكة سبأ وعرشها العظيم، بل استنكر سجودهم للشمس: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. هذا الانتماء لمبدأ التوحيد، وهذه الغيرة على العقيدة، تعكس وعيًا رساليًا يفوق مجرد مراقبة الأحداث.الهدهد لم يكتفِ بوصف الواقع، بل استنكر انحرافه. وهذا يشبه اليوم الشاب أو الباحث أو الموظف الذي لا يرضى أن يكون مجرد متفرج على الخطأ، بل يسعى لإصلاحه أو على الأقل التنبيه إليه. فالوعي الرسالي يعني أن ترى نفسك جزءًا من الحل لا جزءًا من الصمت.

 الرسالة هنا أن الوعي بالغاية الكبرى يمنح الحياة معنًى. فليس المهم أن نعيش فقط، بل أن نعيش بقضية ورسالة. الهدهد، وهو طائر صغير، تجاوز محدودية جسده بإيمانه، فصار صوته حاضرًا في كتاب الله يُتلى إلى يوم القيامة.

الدروس في تطوير الذات

 قصة الهدهد مع سليمان ليست مجرد موعظة، بل هي منهج عملي لتطوير الذات.

1-الانضباط: يعلّمنا أن الالتزام اليومي، حتى بأبسط المسؤوليات، يصنع الفارق.

2-التثبت: يدرب عقولنا على التأني والبحث قبل إصدار الأحكام أو اتخاذ القرارات.

3-الشجاعة: الهدهد لم يخشَ أن يعرض رأيه أمام ملك نبي، وهذا درس في الجرأة الإيجابية."كم من إنسان بسيط، بجرأته في كلمة حق، أوقف ظلمًا أو ألهم الآخرين للتغيير!"

4- الوعي بالرسالة: يذكّرنا أن كل إنسان يحتاج إلى "لماذا" يعيش، لا مجرد "كيف" يعيش.

 هذه الدروس تشكل أركانًا في بناء شخصية متكاملة، متوازنة بين النظام والحرية، بين الشجاعة والحكمة، بين الانتماء الفردي والرسالة الجماعية.الهدهد علّمنا أن الشجاعة لا تحتاج إلى سلطة، بل إلى صدق. وكما نرى اليوم، فإن أصغر صوت صادق على منصة رقمية قد يوقظ وعيًا، ويصنع تغييرًا لم تستطع مؤسسات كبرى تحقيقه.

التوصيات

  "ومن هذه القصة العظيمة يمكن أن نستلهم خطوات عملية لحياتنا اليومية..."

أ- مارس الانضباط في حياتك اليومية: كن حريصًا على احترام وقتك، التزاماتك، ومواعيدك، فذلك انعكاس لاحترامك لذاتك قبل غيرك.

ب- تثبت من الأخبار قبل الحكم: اجعل لنفسك عادة التأكد من مصادر المعلومات، ولا تندفع خلف العاطفة أو الشائعات.

ت- كن شجاعًا في قول الحق: لا تتردد في عرض فكرة أو موقف تؤمن بصحته، حتى أمام من هم أقوى منك مكانة أو سلطة، ما دمت موضوعيًا صادقًا.

ث- احمل رسالة عليا في حياتك: لا تجعل يومك مجرد روتين؛ اربطه بمعنى أسمى، سواء خدمة الناس، أو نصرة الحق، أو بناء ذاتك لتترك أثرًا.

ج- تعلم من كل مخلوق: لا تحتقر مصدر الحكمة، فحتى طائر صغير قد يفتح لك أفقًا واسعًا من الفهم والتأمل.

  قصة الهدهد مع سليمان عليه السلام ليست مجرد مشهد تاريخي في كتاب الله، بل هي مرآة تنعكس فيها صور حياتنا اليومية. إنها دعوة لأن نتعلم أن الانضباط هو سر النجاح، وأن التثبت من الأخبار يحمي من السقوط، وأن الشجاعة في قول الحق تصنع المجد، وأن الحياة بلا رسالة تفقد معناها.

 إن الهدهد، ذلك الطائر الصغير، صار معلمًا خالدًا للإنسانية، لأنه أدرك رسالته وأداها بصدق. فليكن في حياتنا "هدهد" يذكّرنا بأن قيم الحق لا تعرف حجمًا ولا مقامًا، بل تعرف الصدق والإخلاص والعمل.

  هل تملك في حياتك البوصلة الداخلية التي تقودك – كما قادت الهدهد – إلى اكتشاف الحق، والانتصار له، مهما صغرت أدواتك وكبرت التحديات؟" و الله الموفق.