15

أساليب لغوية في القرآن الكريم - أسلوب الاشتغال

عندما تنشغلُ عن الصّلاة بلعبٍ أو لهوٍ، فأنتَ بذلك "مشغول"، والصلاةُ التي انشغلتَ عنها تُسمّى "مشغولٌ عنه" لأنّك نقلتَ اهتمامَك وارتباطَك إلى ما دونها، وأمّا اللعبُ فهو "مشغولٌ به".

(ولا تنسَ -باركَ الله بكَ- أنّ الصّلاةَ لا ينبغي أن تكون "مشغولاً عنه"، وهنا نتكلّم واقعاً وليس لغةً).

في اللغة العربية -كما هو معلومٌ بالضرورة- أنّ الفعلَ يتبعهُ فاعلٌ فمفعولٌ به إن كان الفعلُ "متعدّياً" -أي يقبلُ مفعولاً به-، على عكس الفعل "اللازم" الذي يكتفي بفاعلٍ ولا يحتاج لمفعولٍ به.

في بعض الأحيان، ولمناسبةٍ جماليةٍ في تكوين العبارة، يسبِقُ المفعولُ به الفغلَ فيأتي قبله ويتقدّمُ عليه، فبدلاً من قول "نسألُ اللهَ" نقول: "اللهَ نسألُ"، وللمعنى هنا أهميةٌ في التقديم والتأخير لا يتّسعُ المقام لذكرها.

تخيّل لو أنّنا قلنا: "اللهَ نسألُه"، فأضفنا ضمير الهاء العائدِ على لفظ الجلالةِ المعظّم! فما الذي يحصل؟

ضميرُ الهاء هنا في محلّ نصب مفعولٍ به، فشغَلَ الفعلَ "نسأل" عن المفعول به الأصلي الذي كان يسبقه -أي لفظ الجلالة-، فأصبح الفعلُ مشغولاً بالهاء الذي دخلت عليه عن المفعول به الذي أصبحَ مشغولاً عنه.

المشكلةُ هنا أنَّ المفعول به الأصلي أصبحَ اسماً منصوباً بلا فعلٍ ينصبه، فوجبَ علينا أن نقدّرَ له فعلاً محذوفاً ينصبُه عوضاً عن الفعل الذي تخلّى عنه.

قال تعالى: {{والجِبَالَ أرْسَاها}} (النّازعات: 32)، وقال أيضاً: {{وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا}} (الذاريات: 48)

"الجبال" و "الأرض" مفعولان بهما أصليان، فكان تقدير الكلام "والجبالَ أرسى" و "الأرضَ فرشنا"، فالمعنى هنا تامٌ والجملتان صحيحتان، والمفعولان تقدّما على فعلَيهما، ولكنّ الضمير "ها" دخل على الفعلَين فشغلهما عن مفعولَيهما كما أسلفنا.

قال تعالى: {{وَالقَمَرَ قَدّرْناهُ مَنَازِلَ}} (يس: 39)، تخيّلِ الآيةَ كالتالي: "وقدّرْنا القمرَ، قدّرْناهُ مَنازِلَ"، فحُذفَ الفعل "قدّرنا" الأول، واكتُفي بمفعوله "القمر"، ثمّ جاء الفعل "قدّرنا" الثاني والتصقت به هاء الضمير، فكان ذلك أسلوب الاشتغال، وكانت بلاغتُه في توكيد المعنى بإيرادِ الفعل مرّتَين، مرّةً حُذف وبقيَ ما يدلُّ عليه -أي المشغولُ عنه-، ومرّةً بقي متّصلاً بضمير -أي المشغولُ به-.


التعليق السابق

يُستخدم هذا الأسلوب مع الأفعال المتعدّية عموماً، بغضّ النظر عن عدد المفاعيل التي يستوفيها.

الصورةَ وضحتَها

الفعل المحذوف هو ذات الفعل الذي اتّصل بالضمير، أي: "وضّحتَ الصّورةَ وضّحتَها"، وذلك مثل الأمثلة الواردة في المقال كقول الله تعالى: {{وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا}}، فتقدير الكلام: "وفَرشْنا الأرضَ فرشْنَاهَا".

ربما تجد ركاكةً بتكرار الفعل، ولذلك فهو يُحذف لأنّ ما بعده يفسّره ويدلّ على تأثيره، وفي اللغة العربية قاعدةٌ تقول: "المُقدَّرُ في حُكمِ الموجود".

وهنا لا بدّ لي أن أذكرَ أمراً متعلّقاً بهذا الأسلوب (كنتُ قد تجنّبتُ الحديث عنه لعدم إلمامي به): المشغول عنه يصحُّ فيه الرفعُ والنّصب، فيمكننا أن نقول: "الصّورةُ وضّحتَها" وبذلك يكون الاسم مبتدأً، ويصحّ أن نقول كما ذكرتَ: "الصّورةَ وضّحتها"، وهنا يكون أسلوب الاشتغال ويُعرب مفعولاً به لفعلٍ محذوف.

الجملتان صحيحتان لغةً ومعنى، ولكن كما أذكر أنّي قرأتُ أنّ الرفع يكون أفضل مع بعض الأفعال، ويكون النصبُ أفضل في أفعالٍ أخرى.


الوصول للمعنى المطلوب من خلال الحذف والإضافة ربما يخالف القاعدة الأصلية، ولكنّ ذلك يجعل من الأمر قاعدةً أخرى تُضاف إلى اللغة، فكلُّ شاذٍ عن القاعدة إن أمكن أن نصوغَ له قاعدة لشذوذه فهو يتحوّل إلى قاعدةٍ أخرى لها أصولها، وهذا ما حصل في كثيرٍ من أساليب وقواعد اللغة العربية، ويُستثنى من هذا الأمر الشذوذ الذي لا يمكن ضبطه بقواعد، فهنا لا نستطيع صياغة قاعدةٍ أخرى للأمر.


عدم استيفاء المفعول الثاني ربما لا يُكمل المعنى في كثيرٍ من الحالات، لذلك لا نستطيع التوصّل للمعنى الحقيقي، فكما قلتُ في التعليق السابق فإنّ بعض الحالات يصحّ فيها الاستغناء عن المفعول الثاني (أو الأول)، فللأمر تفصيلٌ تبعاً للفعل وتبعاً لسياق الجملة.

ولكن كما أذكر أنّي قرأتُ أنّ الرفع يكون أفضل مع بعض الأفعال، ويكون النصبُ أفضل في أفعالٍ أخرى.

الذي يرجح النصب أو الرفع أو يوجب أحداهما ليس الفعل، وإنما الأسلوب أو تركيب الجملة، فمثلا إذا كانت الكلمة المشغولة عنها مسبوقة بأداة يجب دخولها على الأفعال، فهنا يجب النصب، مثل: كأدوات التحضيض أو الاستفهام عدا الهمزة أو أدوات الشرط.

هلا محمدا أكرمته، متى عبد الله رأيته، إن عليا قابلته فأكرمه.

يترجح النصب عندما يدخل على الاسم اداة يغلب دخولها على الأفعال: مثل قوله تعالى " أبشرا منا واحدا نتبعه"

أو تكون الجملة الفعلية بعدها طلبية محمدا اضربه أو لتضربه.

الحاصل من كلامي أن العبرة بالأسلوب لا بالفعل.

schrodinger أضف ردا

أي أن الشذوذ فاللغة يُحاوَل قدر الإمكان تجنبه وضبطه بقواعد أخرى، معلومة رائعة.

أشكرك شكراً جزيلاً على المعلومات الوافية ورحابة صدرك في الرد والتوضيح، وأود التأكيد -للأهمية- على تذكرتك بتحري الدقة دائماً وأبداً حتى لا يحصل شخص مثلي على معلومة خاطئة أو ناقصة، فلا بأس إن كان هناك معلومة لستَ ملماً بها أن تنوه لذلك، حتى نحصل من علمك على الاستفادة الكاملة، فكما تعلم نشر العلم بأمانة إنما هو مسؤولية.

دمت بودّ.

العفو .. أهلاً صديقي

وشكراً لك أنتَ أيضاً