17

أساليب لغوية في القرآن الكريم - أسلوب حذف الشيءِ إيجازاً للعلمِ به

كلُّ سؤالٍ بحاجةٍ إلى جواب، وكلُّ مبتدأ يتبعهُ خبر، وكلُّ شرطٍ له مقدّمةٌ وعاقبة، ولكن ...!

في لغة العرب يتمّ الإطناب (أي التطويل) عندما تقتضي الحاجة لذلك، ومن أساليبهم أيضاً أن يتمّ الإيجاز عندما يُكتفى بقليلٍ من الكلام ليصلَ المعنى إلى أذهانِ المتلقّين.

إذاً، فإيجاز الكلام واختصاره أسلوبٌ لغويٌ تتمتّع به اللغة العربية، وكذلك بعض اللغات الأخرى، فإذا كانت نتيجةُ الأمر معروفةً ولا شكّ ولا التباس فيها، وإذا كان المحذوفُ معلوماً من سياق الجملة، فيُحذف بغرض البلاغة في التعبير.

أضف إلى ذلك أنّ الحذفَ يجعل المستمعَ أو القارئَ يذهبُ بخياله إلى أبعد الحدود، ولا يقصُر تفكيرَه على جوابٍ واحدٍ مُصرّحٍ به، بل يُعمِلُ عقلَه ليتقصّى كلّ الاحتمالات الواردة.

فمثلاً إن قال والدٌ لولده: "لو قمتُ إليك"، ثم سكت ولم يُكمل، لتبادرت إلى ذهن الولد أنواعٌ كثيرةٌ من المآلات في حال قيام الوالد إليه لتأديبه أو تعنيفه، فحصل هنا تهويلٌ للأمر وتعظيمٌ للمآل.

قال تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ}} (فصّلت: 41)

"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ"، ما حالهم؟ وما مصيرهم؟

هنا ذُكرت مقدّمةُ الأمر ولم تُذكر النتيجة، فالحاصل معروفٌ من سياق الآية ومعلومٌ للجميع، فالذين كفروا مصيرُهم الهلاك والخسران، فحُذفَ خبرُ إنَّ إيجازاً واختصاراً، وتهويلاً للمآلِ وتعظيماً لاحتمالات الهلاك والخسران.

وقال تعالى: {{أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ}} (الزمر: 19)

بعد قول الله: "أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَاب"، هل من داعٍ لإتمام الآية بالقول: "كمَنْ أفلحَ ونجا؟" حتى يكتملَ المعنى ويعلمَ القارئُ أو المستمعُ أنّ الفريقَين لا يستويان، وأنّ الفريقَ الثاني -الذي لم يُذكر في الآيةِ اختصاراً- هو الفريقُ الفائز والناجي؟

ويكثرُ الحذفُ مع "لو" و "لولا"، فيُحذفُ الجواب للعلم به حتى وإن لم يرِد أو يُذكر.

قال تعالى على لسان لوط عليه السلام: {{لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ}} (هود: 80)

لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً لمنعتُكم أو صددتُكم، فعُلم الجوابُ بداهةً فحُذف.


التعليق السابق
Esraa95Mansour أضف ردا

الأصل في الكلام عموما المساواة وهي أن يكون اللفظ على قدر المعنى بلا زيادة ولا نقصان، مثل الآية التي ذكرت

قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ"

لا يوجد هنا زيادة ولا نقصان.

أما الإيجاز بالحذف فالغرض منه ليس أن المحذوف معلوما، وإنما ذلك شرط الحذف، فالقاعدة المعلومة حذف ما يعلم جائز وليس بواجب، حتى نقول أن كل معلوم نقوم بحذفه.

الإيجاز بالحذف له أغراض كثيرة فهو يترك النفس تذهب كل مذهب وتتخيل عدد كبير من المعاني،

يعني مثلا:

قال تعالى: {{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ}} (فصّلت: 41)

هنا المحذوف ممكن سنعذبهم، سنصليهم نارا، سيحل عليهم غضب من الله.......

الغرض من الحذف التهويل، لتتخيل كل ألوان العذاب التي قد تحل بهم.

بالنسبة للإطناب فهو التعبير عن المعنى بلفظ زائد لفائدة، يعني هناك غرض وهدف من زيادة اللفظ وليس حشوا ولا تطويلا.

والإطناب له صور متعددة:

فالمثال الذي ذكرته في سورة النساء من الإطناب، لأن هذه الزيادة تزيد المعنى وضوحا، وأعتقد أن صورته إيغال لأنه يوغل أو يتعمق في المعنى، والغرض منه رسم صورة كاملة حية لحال الكفار وعذابهم، لتخويف منها.

الكلام سابق يعد مقدمة للإجابة عن سؤالك:

أولاً، إذا كان الحاصل معروف للجميع فلم تم التطرق للأمر من الأصل؟ وما معنى الآية في السياق؟

عندما يكون المحذوف معلوما ويمكن معرفته من السياق، لا يعني ذلك أن المعنى كله معلوم، مثلا أقول هل محمد موجود؟ تقول موجود أنت حذفت المبتدأ وهو محمد، لكن الجملة وإن كان المحذوف معروفا أفادت فائدة.

فهنا جملة إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز، أفادت فائدة ولها معنى أنها تؤكد أنه لا يوجد مبرر لتكذيبهم لأن القرآن الكريم كتاب عزيز لا يأتيه الباطل كما جاء في الآية التالية.

، هل في آية "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ" إطناب؟ لم لم يقل "هل يستوي الذين يعلمون" فقط لأن التكملة معروفة بديهياً وليس هناك حاجة لذكرها؟

هذه الآية مساواة لان الاطناب سيكون قل هل يستوي الذين يعلمون علما شرعيا ويعملون به، والذين لا يعلمون....

الشق الثاني ليس معروف بديهيا إذ لو حذف لجازت تقديرات متعددة والجاهلين والغافلين و........

أرجو أن أكون وفقت في الجواب.

جزاكِ الله خيراً، وشكراً لكِ على هذا الشرح والإيضاح.