إن كثيرًا من تعابير العامية فصحى ولكن لماذا تُهمَل ؟!

EdreesYahya313

بسم الله الرحمن الرحيم

وجدت بعض الناس يعامل العربية الفصحى وكأنها أجنبية فإذا سُئِلوا الكلام بها قعروها وأتوا بركيك العبارات وإذا تكلموا بالعامية أتوا بما أهملوه من الفصحى ثم اشتكوا من الفصحى لجهلهم ولاموها بدل تعليمهم فأردت لأُبين شيوع الفصيح في اللهجات, ولأن البعض أراد استبعاد الفصحى مُتّهمًا إياها بالأجنبية, أردت لأبين الفصحى في العامي

1- ما أعرف

يجعلونها دائمًا لا أعرف، وتكون "ما أعرف" أبلغ في كثير من سياقات التخاطب فـ"ما" تنفي الحال وحده (معناها لا أعرف الآن) التي تنفي الحال والاستقبال

الشواهد:

{یُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَمَا یَخۡدَعُونَ إِلَّاۤ أَنفُسَهُمۡ وَمَا یَشۡعُرُونَ} [البقرة]

{وَمَا تَدۡرِی نَفۡسࣱ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدࣰاۖ وَمَا تَدۡرِی نَفۡسُۢ بِأَیِّ أَرۡضࣲ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرُۢ}[لقمان]

يقول السامرائي:

"وإذا دخلت على الفعل المضارع خلصته للحال عند الجمهور قال تعالى: {قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول} [هود: ٩]
قال سيبويه: " وإذا قال (هو يفعل) أي هو في حال فعل فإن نفيه (ما يفعل)، وإذا قال (هو يفعل) ولم يكن الفعل واقعًا فنفيه (لا يفعل)
فذكر أنها لنفي الحال إذا دخلت على المضارع، ورد ابن مالك ذلك بقوله تعالى: {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقائ نفسي} [يونس: ١٥]، وأجيب بأن شرط كونه للحال انتفاء قرينة خلافه."

[معاني النحو باب ما]

وأما كلمات أدري وأعلم وأعرف فلها دلالات دقيقة

2- ذا، ذي، ذيك, من دا

هي أسماء الإشارة لكن كثير من المناهج تتجاهل أن أسماء الإشارة يمكن أن تتجرد من حرف التنبيه "ها"

ومن ذلك "من ذا"

كذلك تجاهلوا "ذي" في بعض المناهج

يقول ابن مالك في ألفيته:

" «ذا» لمفرد مذكّر أشر بـ «ذي ، وذه ، تي ، تا» على الأنثى اقتصر"

راجع شرحها وراجع معاني النحو في باب الإشارة

ملاحظة : ته من باب الإشارة كذلك ويستعملها الكتاب المغاربة

الشواهد:

سَمَاحَة َ ذَا وَوَفاءَ ذَا … ونائلَ ذا اذا صحا واذا سكر (شعر الشاعر:امرؤ القيس )

سَرِيعٌ إلى هَذِي وَهَذِي قِيَامُهُ، … إذا صَدَقَتْ نَفْس الجَبَانِ كَذوبُها (شعر الشاعر: الفرزدق )

﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة 245]

3-  أنا ماشي

يجعلونها "سأمشي" والصحيح "ماشٍ" فاسم الفاعل هذه من دلالاته وهي أدق من المستقبل إذ تدل على الحال والاستقبال

الشواهد :

{إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ} [سورة ص 71]

{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا} [ الكهف 23]

يقول السامرائي:

” يتبين من هذا أن اسم الفاعل لا يتعدي إلى مفعول، إلا إذا كان دالا على حال، أو استقبال فإن لم يكن كذلك لا ينصب مفعولا. تقول: (أنا مكرمٌ أخاك) والمقصود به الآن أو في الاستقبال، ولا تقول ذلك إذا كان الإكرام ماضيا بل يجب أن تقول بالجر، أي (أنا مكرم أخيك). قال تعالى: {إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} [الحجر: ٢٨]، وقال: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} [البقرة: ٣٠]، وقال: {وإنك لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا} [الكهف: ٨]، أي يوم القيامة، وقال: {ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون} [الواقعة: ٥١ - ٥٢]، وهذه كلها للاستقبال."

[معاني النحو - اسم الفاعل]

3- قعدت أغسل الصحون، قعد الأستاذ يشرح

"وكما يقال: نهيت فلانا عن كذا، فقعد يشتمني: ومعنى ذلك: فجعل يشتمني، وظلّ يشتمني، ولا قعود هنالك"

[تفسير الطبري لسورة الفرقان آية 73]

كما يقال : قعد يبكي وإن كان غير قاعد ; قاله الطبري واختاره (...) واقرن ذلك بقولك : قعد فلان يشتمني وقام فلان يبكي وأنت لم تقصد الإخبار بقعود ولا قيام ، وإنما هي توطئات في الكلام والعبارة .

[تفسير القرطبي لنفس الآية]

يقول محمد حسن جبل:

المعنى المحوري رُسُوخ يَنْصِبُ ما يعلوه: كقواعد البيت والهودج تَنْصِبهما وتثبتهما، وكالثدي المُقْعَد، وكهيئة القعود، والضفادع تبدو جالسة على مؤخراتها معتمدة على أيديها منتصبة. ومن هذا قيل: "قَعَد الإنسان أي قام "لملحظ الانتصاب والثبات (...) أما "قَعَد فلان يَشْتُمه، وقَعَد لا يسأله أحد حاجةً إلا قضاها " (ونحو ذلك)، أي طفق، فمن ملحظ الاستمرار في الأمر، أخذًا من الثبات عليه.

[المعجم الاشتقاقي المؤصل]

أقول -والله أعلم-: يلزم من كلمة "قعد" الثبات فلا يصح القول: "قعدت أركض" لكنما العبارة صحيحة في أغلب السياقات وللأسف أًهمِلَت فظن الناس ابتعاد الفصحى عنهم

4- مشيت وياك

نقول: "مشيتُ و إيّاك"

مشيت فعل وفاعل

إياك مفعول معه

والواو واو المعية, أما هذه الواو فقريبة من معنى مع وتأتي بعد الجملة وبعدها اسم منصوب, وتختلف عن "مع" أنها تعني ارتباطًا بينك وبين المفعول معه

مثلا : إذا قلت: " استوت الخشبة مع الماء" أو " استوت القشبة والماءَ" ,كانت الأولى تعني استوت الخشبة وهي مع الماء, أما الثانية فتعني أن استواء الخشبة كان بمستوى الماء, أي صارا في مستوى واحد (راجع معاني النحو)

5- أنا قاعد أكتب

"أنا قاعدٌ أكتب"

"أكتب" جملة حال

6- في المدرسة راهو مليح , راني مليح

في المدرسة -أراهُ- مليحًا, أراه في بعض المواضع جملة معترضة وإعرابها لمن زاد علمه باللغة

, وهذه الأفعال يصح فيها ضمير المتكلم كـ"أراني"

الشاهد: {قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا}[سورة يوسف 36]

هي من أفعال القلوب, أفعالِ اليقين لكنّ ذكرها في كل سياق لا يصح معنىً وبلاغةً وإن صح في النحو

7- ولى غاضب (بمعنى صار)

يكافئها: "ولّى غاضبًا"

وغاضبًا حال من ولّى

لكن يجب فيها معنى الانصراف أو ما يؤوّل إليه

والتعبير بليغ إذا وُضع في سياقاته, ولأنه تعبير عربيٌّ فهمته لمّا سمعته فذكر أن شخصًا تولى بحالٍ من الأحوال يفيد العلم بصيرورته إلى ذاك الحال

يقول محمد حسن جبل:

معناه الانصراف إعراضًا وإدبارًا، والحال تبين ذلك غالبًا نحو {وَلَّى مُدْبِرًا} [النمل: ١٠] {وَلَّى مُسْتَكْبِرًا} [لقمان: ٧] 

[المعجم الاشتقاقي المؤصل]

8- هذا القلم امتاعي, تاعي

" هذا القلم من مِتَاعي"

9- يا ذكي

بدل أيها الذكي, لأن (يا + اسم مرفوع) هو نداء نكرة مقصودة, وإن نصبته لم يكن مقصودًا أو كان مضافًا نحو "يا عبدَ الله"

والمترجمون يقعرونها ويستعملون أيها محلها وتجاهل هذا الأسلوب تقعير للغة

10- هات القلم

{قُلۡ هَاتُوا۟ بُرۡهَـٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ} [البقرة 111]

أقول: هي واضحة لكن من المترجمين من يستعمل "اجلب" مكانها ولا يستعملها في الترجمة فيقعّرون العربية بذلك !!!

وزلزلني العجب لمّا رأيت بعض الناس أنّها فصحى !

11- أموت فيك

"في" هنا للتعليل مثال عليها "دخل رجل الجنة في كلب"

لكن لا يصح في الذوق أن تقول " أموت في الكعك"

كذلك عبارة : "أموت عليك"

وكلها عبارات حب صحيحة

12- كاين من الناس الصالح والطالح

هي لغة من كأيّن {كأيّن من قريةٍ أهلكناها}

وهي بمعنى التكثير كما يذكرون

وذُكِرَت في معلقة زهير بن أبي سلمى :

وَكَائن تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِـبٍ                   زِيَـادَتُهُ أَو نَقْصُـهُ فِـي التَّكَلُّـمِ


وبعد البحث تبين لي أن جهلنا بالفصحى واتساعِها هو ما جعلنا نفرق بينها وبين العامية, فهي توسعة لا تقييد , فسحة والعاميات ضيِق ولكن أسلوب التعليم الخاطئ مشكلة.

ولقد درسها البعض غير منفصلة عن العامية, فصار الدرس الواحد نصف حصة أو أقل أو بضع دقائق, فلمّا درسوها عند من فرقوا بينهما وعند من جعلوها كالرياضيات لا سليقة -لمّا كان ذلك- صار الطلاب لا يفهمون, يدرسون حصصًا طويلةً ويعانون, حتى إذا رجعوا إلى من لا يفرق بينهما فهموا فصلًا دراسيّا كاملًا في أقل من حصة, كذلك تمكين الفصحى من العامية أنْ تُصَحّح بعض ألفاظها أعطى أولاء الطلاب دقة في الألفاظ ولطفًا في التفكير, وزان تخاطبهم .

فمن مشاكلي أفكارُ بعض الغربيين, وقياسُهم لغتَنا على لغاتهم, واتبعاع بعضنا للساذج من أفكارهم, إذ قالوا اللهجاتِ ترتيبَها عن الفصحى يختلف, قالوا اللهجات فاعلٌ ففعلٌ فمفعولٌ, والفصحى فعلٌ ففاعلٌ فمفعولٌ, وصدّقه بعضنا !, والحق أنّ اللهجات تستعمل الجملة الإسمية العربية, الذي اعتبر النحاةُ أنّ أصلَه ترتيبُ فعل فاعل مفعول, فاجّوهِلَت الحقيقة واتُّبِعَت المغالطة وأظهرنا جهلنا باعتبار الفصحى غريبة وهي قريبة, وأظهرنا كم انحططنا بأن رفعنا أعيننا ننظر لجهلهم.

لا صحة لتقليد الأوروبيين في أساليبهم, وقد أقبح ذلك اللغة وقالوا تطور, بئس التطور نسرٌ بخرطوم فيل, أو بغلٌ بجناح نسر ولقد تطور كُرونا فقالوا تحوّر وتحورت اللغة فقالوا تطوّر, وجعلوا تثبيطها نماءً وإضعافها تقوية ثم تذمّروا ألا بئسًا لحالنا