يَا أُمِّيْ…
هَا قَدْ مَرَّتِ الأَيَّامُ، يَا أُمِّيْ،
وَأَصْبَحَ رَضِيْعُكِ رَجُلَاً.
كَبُرْتُ، وَانْتَصَبَ الجَسَدُ كَمَا تَشْتَهِيْهِ الحَيَاةُ،
لَكِنَّ شَيْئَاً فِيْ دَاخِلِيْ ظَلَّ صَغِيْرَاً، هَشّاً، غَرِيْبَاً عَنْ هَذَا العَالَمِ.
مَرَّتِ الأَيَّامُ تُغَيِّرُنِيْ، تُشَكِّلُنِيْ كَمَا تَشَاءُ،
عَلَّمَتْنِيْ أَنْ أَضَعَ الأَقْنِعَةَ، أَنْ أُجِيْدَ دَوْرَ الغَرِيْبِ وَسْطَ الزِّحَامِ،
أَنْ أَكْذِبَ كَيْ أَنْجُوَ، وَأَنْ أُنَافِقَ كَيْ أُقْبَلَ،
أَنْ أَتَنَازَلَ عَنْ أَحْلَامِيْ، أَنْ أُحَارِبَ لِأَجْلِ اللَّاشَيْءِ…
ثُمَّ أَخْسَرُ.
خَسِرْتُ أَغْلَبَ مَعَارِكِ حَيَاتِيْ،
وَفِيْ كُلِّ مَرَّةٍ كُنْتُ أَعُوْدُ إِلَيْكِ صَامِتَاً، مُثْقَلَاً بِمَا لَا يُقَالُ.
حَتَّىْ جَاءَتِ المَعْرَكَةُ الكُبْرَىْ… تِلْكَ الَّتِيْ ظَنَنْتُهَا خَلَاصَاً،
فَخَسِرْتُهَا هِيَ أَيْضَاً.
وَمُنْذُ ذَلِكَ اليَوْمِ، مَا عُدْتُ إِلَّا جَسَدَاً بِلَا رُوْحٍ،
أَسِيْرُ فِيْ أَرْضٍ لَا تُشْبِهُنِيْ، فِيْ زَمَانٍ لَا يَعْتَرِفُ بِوُجُوْدِيْ،
أَتَوَكَّأُ عَلَى ابْتِسَامَةٍ وَحِيْدَةٍ،
تُحَارِبُ لِأَجْلِيْ…
وَتُحَاوِلُ أَنْ تُعِيْدَ تَرْمِيْمَ مَا تَبَقَّى مِنْ شَظَايَا رُوْحِيْ.
هَا هُوَ وَلَدُكِ، يَا أُمِّيْ…
غَيَّرَهُ الزَّمَنُ كَثِيْرَاً، شَوَّهَ مَلَامِحَهُ، سَرَقَ مِنْهُ بَرَاءَتَهُ،
لَكِنَّهُ عَجَزَ عَنْ أَنْ يُكَبِّرَ قَلْبَهُ.
مَا زَالَ قَلْبِيْ صَغِيْرَاً يَا أُمِّيْ،
طِفْلٌ ضَائِعٌ فِيْ جَسَدِ رَجُلٍ،
يَتُوْهُ فِيْ عَالَمِ الكِبَارِ،
يَبْحَثُ عَنْ صَدْرٍ وَاحِدٍ يَحْتَمِلُ ضَعْفَهُ،
عَنْ يَدٍ وَاحِدَةٍ تَمْسَحُ عَلَىْ رَأْسِهِ دُوْنَ أَنْ تَسْأَلَهُ شَيْئَاً.
قَدْ مَرَّتِ الأَيَّامُ، يَا أُمِّيْ،
لَكِنَّنِيْ مَا زِلْتُ أُنَادِيْكِ كَمَا كُنْتُ أَفْعَلُ وَأَنَا طِفْلٌ،
كَأَنَّنِيْ لَمْ أَكْبَرْ أَبَدَاً،
كَأَنَّ الدُّعَاءَ مِنْكِ يُعِيْدُنِيْ إِلَى الحَيَاةِ،
وَأَنَّ الحَنَانَ فِيْ عَيْنَيْكِ هُوَ آخِرُ أَوْطَانِ قَلْبِيْ المُنْكَسِرِ.
يَا أُمِّيْ…
حِيْنَ تَضِيْقُ الأَرْضُ، وَيَضِيْعُ المَعْنَىْ،
أَعُوْدُ إِلَيْكِ…
فَأَنْتِ الوَحِيْدَةُ الَّتِيْ حِيْنَ أُنَادِيْهَا
لَا أَحْتَاجُ أَنْ أَشْرَحَ لَهَا كَمْ أَنَا مُتْعَبٌ.
لا يوجد تعليقات بعد، كن أول من يبدأ النقاش