البداية

وُلِدَ فُؤادٌ وفي جسده الصغير سرٌّ غامض.

ربما إعاقة لا تُرى بالعين، لكنها تختفي في الفراغ بين خطوة وأخرى.

يبدأ مشيته واثقًا، طفلٌ ككل الأطفال، ثم لسبب أو لغير سبب… يتعثّر.

ليس في الأرض حجر، ولا في جسده ضعفٌ.

أما هو ففهم لاحقًا أن بعض العائق في شعوره، في ذلك الحسّ المرهف الذي يجعل احداث العالم ثقيلًا على قلبه قبل قدميه.

كان قلبه بحرًا من الحب، يحتوِي جمال الأرض وقبيحها،قويها وضعيفها، لكن هذه الرقة نفسها جعلته يرتدي دروعًا مختلفه يحتمي بها، قوية أو بسيطة، جميلة وفيها ما هو رديء.

حتى ظنه البعض تلك الدروع، كانت بعضه!.

ولم يكن يعلمون أن وراء كل تلك "الدروع" صوت طفلٌ يملئه الحب: «أنا هنا! وأحبكم! أنهم يروني بوضوح، فؤاد يعتقد في نفسه؟».

(الصراع واعتناق الهوية):

كبر فؤاد يحمل دروعه في عالمٍ يَعتبرُ البوحَ بالحبِّ ضعفًا، والقسوةَ حتى في غير موضعها قوَّة.

رأى كيف يُخبئ الأبوان حنانهما الظاهر خلف تعابير جادة، وكيف تتحول المشاعر الفياضة الحانية إلى "بروتوكولات" جافة.

فقرر أن يشقَّ طريقًا مميزا يجمع بين الشعور والظهور: أن يكون قويًّا بحق، بقلب وصوت يجمعا الوجدان ويحترما الإنسان.

محاولا مصارحة من يخدع، وإيقاف من يؤذي، ومساعدة من لا يستطيع.

لكن تصرفاته المختلفة — الوديعة أحيانًا، الصارمة أحيانًا — جعلت نظرَةَ الآخرين إليه تزداد حيرة. بعضهم احترمه، والبعض الآخر جافاه، وقلّة قليلة فقط أدركت حقيقته.

أصبح "أثره" سلاحًا ذا حدين.

وهو يحدث نفسه لن أزعج غافل ولن اصحي النائم: "في الغد سينهض الجميع ويجمعنا وطن نعيش فيه أثرنا النافع، ونترك غفلتنا.

لكن الطريق إلى الأهداف النبيلة لم يكن معبدا، بل كانت تملئه الحجارة.

وبعض الدروع التي تحميه حُولت إلى جدران تحجبه عن أشعة الحبِّ التي عاشها قلبه وتاق أن ينظر إليها وهي تعم من حوله، ترمم وتبني تغرس وتزرع وتسقي.

ذروة الأزمة

في ليل هادئ، هبت عاصفة وفي حياته هبت عواصف ادرك بعضها، وبعضها عنها لا يدري. وجوه تتقطب، ابتسامات مائلة، وقطرات صغيرة من الأمطار تهدأ روحه، الأزهار في حديقة بيته على غير الوانها.

رعود بلا مطر، وفيضان من المشاعر تغمر من حوله وتغمره كلما اقترب منهم، لم تكن مشاعر جيده.

سأغمض عيني عنها، سأرتدي رداء إضافي سأمضي قدمًا، يحدث نفسه، محاولًا تجاوز الإنذارات في نفسه روحه أو حتى جسده.

لكن تلك التحذيرات لم تعد عنه ببعيد.

تثاقلت خطواته كما لو أن الإعاقة الخفية قررت أن تظهر أخيرًا، يريد السعي لكنه وجد نفسه عاجزا ولم يبقى له الا الحبو والزحف، ببطئ وببطئ شديد.

الرفاق ابتعدوا، مستغرقين في همومهم الخاصة، واستلهمت بقيتهم غربة شديدة كأنها قطع الليل المظلم.

وحشه قاسية تدثره: بينما هناك من ينتظر منه أن يكون السند؟

في لحظة انكسار مُطلَق، وجد نفسه يحبو على الأرض، تنهمر دموعه كطفلٍ ضائع: "يا الله… شعور عجز ام ماضي معاق…

المشوار الذي بدأته حتما بفضل الله سيكتمل…". كره ضعفه، وكره عجز من حوله، وكره العالم الذي تشغله التأويلات وتستحوذ بعضه الوساوس، ثم تساءل بمرارة: "هل أصبت بلعنة القسوة؟

النهاية (الكشف والتحوّل):

ظلمة دامسة أحاطت به، ولم يبقَ له إلا همسة أخيرة تخرج من أعماق روحه: "يا الله…". تلك الكلمة التي بها نور لا تدركه القلوب المظلمة، موقنا، حتى لو لم يكن يعرف شكل الإجابة.

وفجأة، كلمسة نور في الظلام، شعر بيد حانية تمسح دموعه، وصوتٍ ودودٍ يهمس في أذنه: "قُمْ يا بُنيّ… كيف للفجر أن يَصْحُو بدونكَ؟".

كانت اللحظة الفاصلة.

انكسرت القشرة التي كان يعتقد أنها قوه.

لم تكن اليد وحدها الذي شعر بها، ولكنها كانت يقينًا جديدًا ولد.

تذكر نِعَمًا كانت تبدو عادية: صحة تمكّنه من السقوط والنهوض، أسرة، سقف، أصدقاء، وقلبٌ رغم الألم ينبض بالخير.

نهض فؤاد. وهذه المرة، كانت خطواته هادئه وأحلامه بسيطة ليس لأن هناك جديد، بل لأنه تقبّل ضعفه كجزءٍ من قوته الفريدة.

أصبح حبه واضحًا، هادئًا، بلا ضجيج.

وأدرك أن المهابة الحقيقية — مهابة القلب النبيل والنفس الزكية وقبول الحياة قبل السعي إلى التغيير.

لم يعد "فؤاد الشديد"، ولا "فؤاد الضعيف"، لا "فؤاد الشجاع" ولا "فؤاد الجبان"...

أصبح ببساطة: فؤاد.