في أحد الأمسيات، اجتمعت الأختان وزوجاهما حول مائدة العشاء، والضحكات المجهدة تحاول أن تُخفي ما تحتها من تعب السنين. وسط الحديث، أفصح أحد الأزواج برغبةٍ دفينة في أن يفتح مشروعه الخاص. كلمة عابرة، لكنها كانت الشرارة. لم تُعلّق زوجته سوى بنظرةٍ ضاقت فيها العينان، وابتسامةٍ مشدودةٍ كأنها قناعٌ لبركانٍ مؤجل. فمرّ الموقف بسلامٍ ظاهري، واتُّفق ضمناً على تأجيل الشجار إلى حين العودة إلى البيت.

لكن في تلك الليلة، لم يكن البيت كما كان دائماً. كان صامتاً كمن يستعد لسماع اعترافٍ خطير. وما إن أُغلِق الباب حتى انطلقت الكلمات المحبوسة، كأنها ظلت تتجمع لسنوات في صدورٍ ضاقت بالكتمان.

انفجرت تراكمات السنين: هو يلومها على إهمالها، على روتينها الممل، على غياب الشغف. وهي تلومه على أنانيته، على خيانته الصامتة قبل أن تكون فعلية، على أنه لم يعد يرى فيها سوى ظلاً لامرأة كانت تحبه يوماً.

لكن السؤال الذي لم يُطرح على لسان أحد: لماذا الآن؟

لماذا لم يواصلا الصمت كما اعتادا؟ لماذا لم يستمرا في تلك الحياة الرمادية التي يأكلها الروتين دون صوت؟

لابد أن شيئاً ما تغيّر في داخله.

كان هو يرى أن الحياة الزوجية صارت سجناً بلا نوافذ. كل يومٍ يبدأ بعراكٍ وينتهي بصمتٍ ثقيل. والضغوط تتكاثر: الأهل، الأصدقاء، النظرة الاجتماعية، العمل، التوقعات… كلهم قبله، وكلهم فوقه. فبدأ يبحث عن متنفس، عن لحظة يُسمح له فيها أن يكون نفسه.

أما هي، فكانت ترى أن الزواج استمرار مهما كانت الخلافات. يكفي أن الأطفال يجدون الأب والأم تحت سقفٍ واحد. لم تكن تفكر في سعادتها، بل في الواجب، في الصورة التي يجب أن تبقى كاملة أمام العالم. لكنها كانت تنسى نفسها، تنسى أنها امرأة، وليست فقط أماً وزوجة.

وحين اكتشفت خيانته، لم تبكِ فوراً. كان الألم أكبر من الدموع. لم تفهم كيف يستطيع من أحبته أن يبحث عن دفءٍ آخر. لكنه، في لحظة صدقٍ نادرة، واجهها قائلاً:

“ما عدت أقدر. هذه العلاقة انتهت.”

لم يرد أن يُصلح السفينة، بل قرر أن يقفز منها. تركها تغرق بأسئلتها، وخرج بحثاً عن نفسه التي ظن أنه فقدها.

وهناك، كانت هي الأخرى.

امرأة خفيفة كنسمة، تضحك كثيراً وتقول له: “أنا فقط أريد أن أكون سعيدة.”

كانت مختلفة عن زوجته في كل شيء؛ لا تُحاكمه، لا تُلزمه، لا تُقيده. ومعها شعر بأنه يتنفس. كان يظنها مجرد علاقة عابرة، متعة مؤقتة، لكنه اكتشف أنه يغرق فيها يوماً بعد يوم.

كانت معه الحرية، الغياب الذي يولّد الشوق، اللقاء الذي يعيد للحياة لونها.

لكن حين طلق زوجته، وعرض على عشيقته الزواج، فاجأته بابتسامةٍ ورفضٍ هادئ:

“أحبك هكذا... بعيداً. الزواج سيقتلنا مثلما قتلك الروتين من قبل.”

عندها فقط أدرك أنه خسر كل شيء. خسر امرأتين كلٌّ أحبّته بطريقتها، وخسر نفسه التي لم يعرفها يوماً. كلتاهما كانت صادقة، لكن هو لم يكن يعرف ماذا يريد. وعندما يجهل الإنسان مكنونات نفسه، تتقاذفه الحياة كقشةٍ في بحر.

في النهاية، عاد وحيداً.

جلس أمام مرآته الطويلة، ونظر في عينيه لأول مرة دون خوف. أدرك أن اندفاعه نحو تلك المرأة لم يكن خطأً، بل كان احتياجاً. فحين يُحرم الإنسان من ما يُغذّي روحه، يتمسك بأي يد تمتد إليه حتى لو كانت تحمل النار.

لكن خطأه الوحيد أنه قطع الجسر تماماً، ولم يترك طريقاً للعودة.

ربما لو منح نفسه مهلة، لو ابتعد قليلاً ليرى الأمور من بعيد، لكان فهم أن الحياة الزوجية لا تُقاس بالملل، بل بالصبر، وبالقدرة على أن تُعيد بناء ما انهار قبل أن يصبح رماداً.

هكذا، انتهت الحكاية كما بدأت... بصمتٍ ثقيل.

لكن هذه المرة، لم يكن صمت تأجيل، بل صمت إدراك:

أن لا أحد يربح حين يخسر نفسه.