هذه سلسلة روائية أشاركها هنا يوميًا، أتمنى أن تجدوا فيها ما يلامس ذواتكم. ملاحظاتكم تسعدني."

‏الفصل الثاني: أنا كما كنت

‏حين يعود راهِس بذاكرته إلى الوراء، لا يرى شخصًا واحدًا، ‏بل نسخًا متعاقبة من ذاته، كل واحدة كانت تظن أنها الأخيرة، وأنها الأكثر صدقًا.

‏قبل خمس سنوات، لم يكن راهِس كما هو اليوم.

‏كان يرى نفسه كمن يمشي في ضباب لا يعرف أين ينتهي الطريق، لكنه يواصل السير.

‏يتذكّر شتاته، تردده، تلك الأيام التي كان كل شيء فيها يبدو كبيرًا عليه حتى نفسه.

‏لم يكن ناضجًا، ولا ثابتًا،

‏فقط فتًى يحمل الكثير من الأسئلة والقليل من الأجوبة.

‏كان يعتقد أن الحلم وحده يكفي،

‏أن الرغبة في التغيير تُغيّر.

‏لكنه كان يخطو بلا خريطة، ينهار ثم ينهض دون أن يفهم لمَ وقع أساسًا.

‏وفي إحدى الليالي، بينما كان يتأمل صوره القديمة،

‏انطفأت الأضواء فجأة، وساد صمت غريب.

‏ثم رأى أمامه شكلاً يتكوّن من العتمة

‏وجه مألوف، لكنه منهك، بعينين شاردتين.

‏كان الظل.

‏نسخة قديمة من راهِس كما كان.

‏الظل (بصوت مبحوح):

‏"تتظاهر بالنسيان لكنك لا تنساني."

‏راهِس:

‏"أنا لم أنكر وجودك فقط دفنتك."

‏الظل:

‏"كنت أنا من حلم، من حاول، من سقط أهذا جزائي؟"

‏راهِس (بهدوء):

‏"كنت لازم نكمل وأنت كنت تعيقني."

‏الظل (ساخرًا):

‏"أم أنني كنت مرآتك الهشة، التي لم تحتملها؟"

‏سكت راهِس، شعر بشيء ينقبض في صدره.

‏ثم قال:

‏راهِس:

‏"أنا لا أكرهك ‏أنا فقط لم أعد أحتاجك."

‏الظل:

‏"لكنني أنت أنا البداية، أنا الفوضى التي صنعت هذا النظام الذي تفتخر به."

‏اقترب راهِس من ظله، نظر في عينيه، وقال:

‏راهِس:

‏"ربما لكنني من مشى بعد أن وقعت،

‏ومن بنى نفسه حين انهارت جدرانك."

‏ابتسم الظل لم يكن حزينًا، بل ساكنًا.

‏الظل:

‏"إذن امضِ لكن لا تنس أنني ما زلت فيك،

‏صوتًا قديمًا، ذكرى لن تموت،

‏جذورًا في أعماقك لا تزول."

‏ثم تلاشى الظل في ظلمة الغرفة

‏لكن راهِس شعر أنه لم يرحل تمامًا.

‏بل عاد ليستقر في مكانه الحقيقي في الذاكرة، لا في الطريق.