تراقص ظل الشمعة (الجزء الأول)

  • alaa61

يزول تدريجياً تراقص ظل لهب الشمعة على الحائط ليقوم بإلتقاط معطفه وقبعته كعادته كل يوم عندما تهب نسائم الهواء الباكرة ويهب معها، كل من هو مجبور على العمل في مثل هذا الوقت ،ومن لم ينم حتى الآن وكلاهما يملأ النوم أعينهم . يبث ذلك الوقت الراحة والاستقرار في نفسه، فالناس نيام لذلك لن يلتفتوا لوجوده وهذا قد أسقطه دون التفات أو إعتذار لسيطرة النوم عليه ، يشعر بألم الوقعة ليطمئن أنه لم يتحول لشبحٍ بعد.

يقصد مكانه المعتاد الذي لا يناله عوامل الزمن فمقعده أمام البحيرة لم يتغير ،تواريه أوراق شجرة ربما لم تنقص أو تزيد ورقة، القارب المكسور على مقربة من البحيرة والمقعد المجاور لمقعده يجلس عليه كالمعتاد شريكه في المكان بالرغم من مشاركة المكان والأجواء إلا أنهم لم يتشاركوا الحديث أو النظرات .

لكن اليوم نقض المكان عهده وغاب الشريك اليوم تاركاً مقعده خالياً ومع تدقيق النظر وجد ورقة بدلاً منه "لا أحد يرانا أو يسمعنا 

هذه ليست أرضنا 

اليوم عدتُ لبيتي بعد عدة عقود

اليوم حللتُ اللغز وتوصلت للحقيقة 

اليوم تنفست النفس الأول لي بعد إنقطاع دام الكثير 

اليوم صرتُ من سكان البحار

لا تقلق يا صديقي سيأتي يومك قريباً،فأنت أيضاً إقتربت من نهاية. 

       إلى الدكتور: شريف اسماعيل "

يبدو أنه ليس يومي، فيومي لا يخرج عن المألوف والمتوقع وغياب شريكي الغائب وظهور هذه الرسالة لم يكن ضمن توقعاتى .

أخذ يهرول لبيته عالماً أنه لن ينجُ من صوت الحج رءوف وهو يحاول إفراغ أنفه بكل ما امتلك من قوة ،ولا من الحاجه بثينة وسبها وصراخها وإعتراضها على كل ما يحدث لها ودعائها على صاحب البيت الذي يزيد الإيجار كل شهر دون رحمة .

ولا من نداء عم حسين على بضاعته من الطماطم والخيار ،يجلس على عربته منذ الصباح حتى غروب الشمس لا يكل ولا يمل ولا ينقطع صوته.

فقط جيرانه خاصة الحاجة بثينة من يشعروا بوجوده و ينتبهوا لأنفاسه أثناء صعوده لغرفته حتى إنه مصدر تسليتهم فيقومون بتأليف القصص حوله حتى يقضوا وقتهم دون أن يقتلهم الملل .

صعد غرفته والاقى معطفه ليجد أنه قد أخذ الورقة دون انتباه منه 

جلس يفكر في أمر ذلك الغريب هل ألاقى نفسه في البحيرة ؟

لكنه لم يجد أثر لجثته ولو حدث ذلك لكانت الأخبار تحدثت عن الأمر .

كانت أول من جاء فى باله ليخبره بما حدث ويسأله عن رأيه ،ولكنها ستصفه بالمجنون هذه المرة أيضاً ولكنها ستكون محقة اليوم .

حرقت يده الشمعة المتآكلة والمحترقة لتسرقه من شروده، ويتذكر الحاجة بثينة وهى توبخه "لن تهدأ حتى تحرق تلك الغرفة ،اشتري مصباح بدلا من الشمع مادمت تنسى أن تخمد نارها على الأقل المصباح هو ما سيحترق عندما تنسى غلقه وليست الغرفة بأكملها".ثم تنهي كلامها بالدعاء عليها وأنها السبب في حالتي تلك.


كنت قد أفرغت ما بداخلي في حجرها في ليلةٍ كنت عائداً فيها في منتصف الليل وكان الشراب قد سلب عقلي حينها وجدتها تجلس أمام بيتها في هدوء على غير عادتها لا يخرج منها العيبة ولا السب حينها تذكرت والدتي فأخذت مجلسي بجوارها وأخذت في البكاء والحديث عنها وكيف أنها أخذت الأولاد حتى تحميهم من الجنون .منذ ذلك الوقت وهى تقوم بالدعاء عليها "منها لله "كلما أمر عليها أو تأتي لتتأكد أن الغرفة لم تحترق بعد.

قررتُ حينها أن أهمل الرسالة فسيأتي يوم وأعلم ما حدث له في جميع الأحوال فإن الأمر ليس بهذه الأهمية أم هل يوجد أمر ذو أهمية!

ربما لست المقصود بتلك الرسالة، لأتذكر أنه ذكر اسمي في نهاية رسالته " هل يعرفني وكان يتجنب النظر إلي حتى لا أتعرف عليه أم هذه خطة منها لتثبت جنوني وتأخذ أولادي في حضنها للأبد؟"

شعر فجأة بالإختناق وأن جسمه لا يقدر على الحركة ليجد نفسه داخل حوض زجاجي محكم الغلق يمتلئ تدريجياً بالماء حتى وصل لوجهه وهو لا يقدر على كسره أو فتحه أخذ يحاول كسره حتى شعر بيد الحاجة بثينة وهى توقظه وتستعذ من الشيطان ليجد نفسه نائماً على الأرضية غارقاً في عرقه

خرج من بيته يشعر مثل السمكة عندما تخرج لتوها من المياه ،يسير بلا وجهه حتى وجد نفسه أمام البحيرة ولكنه لم يجد مقعد شريكه قد إختفى مثلما إختفى صاحبه .

جلس على مقعده يظن المار عليه أنه تمثال،حتى غرق في النوم وهو جالس ليحلم بالحلم ذاته فيستيقظ من ألم الوقعة ليجد نفسه قد صدم رأسه ويده .

لأول مرة يسير دون أن يشعر أنه شبح بل ربما اليوم الناس هم من صاروا أشباحاً (لا يسمعهم ولا يراهم ).

ربما كانت على حق منذ البداية وكان يلزم علي الإبتعاد عنها وعن الأولاد حتى لا ينالهم الجنون مثلما نال من والدهم، هل أذاهم جنوني حقاً مثلما كانت تقول أثناء توبخها لي أمامهم.

لم يعلم كم سار وكم من الوقت قد مر ولكنه وجد نفسه أمام منزلها الذي كان يتميز بمطبخ يطل على الشارع الرئيسي بنافذة زجاجية تحتل نصف وجة البيت ليلمح ذلك الشريك الغريب يقف معاها وفي يده فنجان قهوة.