قبر اليراعات .. ضحايا الحرب يشهدون حكاياتهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في كل مرة تشهد فيها قصة من قصص أفلام الإنمي اليابانية، تستشعر رغبة ملحة في التعمق داخل قصة ربما لن يقدمها البشر بنفس النجاح الذي تقدمه مجموعة من الصور المتحركة المبتكرة بعبقرية،مندمجة مع قصة برع كاتبها في تقديم ما اعتمل في قلبه وعقله بوضوح،بأقصى درجة من درجات الوضوح والألم الممكن .. تلك هي نقطة التميز الواضحة في أعمال الإنمي،كل ما تحتاجه هو أن تطلق لخيالك العنان،وستتكفل الصورة بالباقي.
وكما كانت الهزيمة المخيبة لألمانيا في الحرب العالمية الثانية،مادة خصبة للكثير من الأعمال السينمائية في ألمانيا،فالصورة المماثلة لم تكن بغائبة عن السينما اليابانية،ومنها كان الإنمي صاحب نصيب كذلك.
لذا وفي "قبر اليراعات" كانت القصة تحكي المأساة متجسدة،حتى صار بإمكاننا أن نعيشها صحبة أبطالها.
كيف ستكون البداية صعبة؟
لم تمهلنا القصة أي فرصة للتمهيد أو التفكير في البدايات والمقدمات .. نحن في منتصف الحرب تقريباً،القذائف الحارقة لم تترك مدينة يابانية إلا وسقطت فوقها،سواء كان ذلك يتعلق بمدن الحضر القريبة من العاصمة أو القرى الريفية الهادئة،الجميع في انتظار القذيفة القادمة.
بدا التأسيس في القصة منذ بدايتها منطقياً للانطلاق نحو النقطة التي أرادها صانعو القصة، عائلة ترأسها أمم تقليدية كسائر أمهات القرى الريفية في اليابان، وابن في سن صغير يصطحب اخته الصغيرة كل يوم إلى دراستها، وأب لم نره طوال القصة، لأن الحرب غيبته عن الرؤية، وذلك على عكس الأفلام الأخرى التي كانت تعطى طابعاً هادئاً في البداية لقصص اليابان مع الحرب، والتمهيد الذي يتخلله دفء الأسرة وشعورها بالطمأنينة، كما يمكن أن نرى في رائعة "في هذا الركن من العالم" والتي صحيتنا عبر ممرات هادئة نسبياً في البداية، وصولاً إلى ذروة الانفجار والخسران في الحرب.
كيف يمكن لطفل صغير أن يتحمل كل هذا الكم من المسئولية؟
بدا السؤال منطقياً للوهلة الأولى، فمنزل الأسرة دمرته الحرب، والأم التي كانت ترعى هؤلاء الصغار، غيبها القصف الحربي، وصار الطفلان ولأول مرة في حياتهما مضطران لمواجهة العالم وحدهما، بكل ما يمكن للمواجهة المأساوية أن تقدمه.
مدن تقصفها القذائف ليل نهار، غذاء ارتفع سعره أضعاف مضاعفة بسبب احتراق المحاصيل والحصار الحربي، وفتى في ربيع عمره، يجد نفسه ولأول مرة مضطر إلى الاعتناء بصغيرته التي تحبه بشدة وتتعلق به.
بدا الفيلم عبر تنقلاته مصمماً على دائرة المسئول الصغير والأخت التي تأسرك ابتسامتها رغم كل شئ، تلك الدائرة العصيبة التي شكلت علاقة المسئولية بين الأخت والأخ، يمكن رؤيتها كمحور أساسي لحركة الفيلم بأكمله، وما بُني عليه حتى لحظة النهاية.
المادية القاتلة لم تكن غائبة
خرج أبطال القصة إلى أول ملجأ طبيعي لهم، وهو بيت العمة الذي توقعا أن يكون مأوى مناسب لهم، ريثما تمر أيام الحرب التي لا يعرفون مداها، وبقليل من النظر، تبدأ أزمة الطعام في أيام الحرب في الخروج بصورتها الأكثر قبحاً، حيث تبدأ العمة في مسائلة الطفلين عن مشاركتهم في الأرز المتاح في المنزل، وخاصة أن الأخ الأكبر لا يمتلك عملاً ما، في حين يشغل رجال بيت العمة مجموعة من الوظائف "تخدم اليابان وجيشها" كما قالت العمة.
تحول الأمر من العمة من مجرد تساؤل إلى إعلان غضب تام، وهنا بدأ شكل جديد من أشكال المأساة التي تفرضها الحرب على أهلها في التجلي بوضوح، ليأتي القرار من الفتى وهو الرحيل بأخته عن المنزل الذي شعر داخله بالغربة والضعف، بدلاً من أن يكون ملجأ ودار أمان.
بدت القصة في تلك اللحظة بالدخول في منحى أخر أكثر صعوبة، أنت لم تعد في مواجهة الحياة، أنت في مواجهة القذائف التي لا تتوقف، في مواجهة القتل في العراء، في مواجهة البرد والجوع.. صارت الأختبارات أكثر قسوة، وباتت القصة ومتابعوها في انتظار معجزة كتلك التي نراها في هوليوود قد حدثت لتنقذ المساكين من تلك الكارثة.
لجأ بطلينا إلى كهف صغير أمام النهر، بدأ الأخ المثقل بمسئولية مخيفة في اقتراف مالم يتخيله يوماً، بدأ في سرقة بعض النباتات من حقول مجاورة، الخروج إلى السوق ومحاولة الحصول على ما يشبع فم أخته الجائعة، لكنها وبصورة أكثر تدهوراً تدخل في حالة مزرية من المرض المتقدم، ويبدأ جسدها الصغير المنهك يضعف أكثر وأكثر أمام هجمات الجوع والبرد، حتى يأتي اليوم الذي يأتي فيه الطعام، لكنه يصبح بلا فائدة ولا جدوى، فليس هناك من سيأكله.
الُعش الصغير
كانت الصورة الدرامية في الجزء المتعلق بحياة الطفلين في كهف بعيداً عن الجميع، واحدة من أروع الأجزاء التي جاءت في هذا الفيلم، فكم السعادة التي حصلت عليها تلك الطفلة الجميلة، وهي بصحبة أخيها، وقد جمعوا اليراعات وشاهدوا باعينهم كيف لها أن تضئ الظلام الذي يحيط بحياتهم وقلوبهم.
كانت اليراعات في تلك القصة لو اقترحنا تفسيراً، هي حبات الأمل الصغيرة التي شاهدوها في أحلامهم الصغيرة، بين كل ذلك الظلام المدجج بالقذائف والجوع والبرد وقسوة المادية والأهل، بدا ذلك الجزء الأصعب من القصة.
بين جنبات القصة ومنذ بدايتها تقريباً لم يكن خافياً على المشاهد أن هناك طيف عابر يحكي قصة قد عاشها من قبل في هذه الطرقات حينما كانت الحرب مشتعلة، طيفان إن شئنا الدقة رحلا وقررا أن يمرا عبر رحلة قصيرة مؤلمة لعالم الدنيا، ليسترجعا فيها كيف كانت الحرب، وكيف دفع الضعفاء ثمنها.
ولربما لم تكن القصة هنا تخص اليابان كدولة تضرر شعبها في الحرب، فالمثال قابل للتعميم والطرح، والضحايا كُثر وعداد الأرقام يأبى التوقف.. الحصد مستمر طوال الوقت، تلك هي القصة التي كما وصفتها الراحلة رضوى عاشور "إن الحكايات التي تنتهي.. لا تنتهي ما دامت قابلة لأن تروى من جديد".
بقلم: إسلام كفافي