تخيّل أنك حارس على برج مراقبة فوق سور الصين، وفجأة رأيت جيشاً يقترب من بعيد. لا هاتف لديك، ولا رسالة سريعة، وأقرب حامية بعيدة عنك كيلومترات. كيف تخبرهم؟ الجواب كان فوق رأسك: دخان.
كان السور مليئاً بأبراج مراقبة تفصل بينها مسافات قصيرة، بحيث يرى كل برج البرج الذي بعده. حين يكتشف الحراس خطراً، يشعلون ناراً يراها البرج المجاور، فيشعل مثله، وهكذا تنتقل الرسالة من برج إلى برج مثل سلسلة لا تتوقف.
وكانت للإشارة لغة واضحة. في النهار يستعملون الدخان، وفي الليل تستعمل النار لأنها تُرى من بعيد. وعدد الإشارات نفسه كان يحمل الخبر: بحسب قواعد وضعت عام 1468 في عصر مينغ، إشارة واحدة تعني نحو مئة عدو، وإشارتان نحو خمسمئة، وثلاث إشارات أكثر من ألف. ومع الإشارة كانت تُطلق طلقة تنبيه، حتى يسمع من لم يرَ الدخان.
بهذه الطريقة البسيطة كان الخبر يقطع أكثر من خمسمئة كيلومتر خلال ساعات قليلة، أسرع بكثير من أي فارس يحمل رسالة. طبعاً كان التقدير تقريبياً، فالحارس يقدّر العدد بعينه، وكان وصول الجنود أنفسهم قد يستغرق أياماً، لكن الإنذار المبكر كان يمنح الحاميات وقتاً للاستعداد بدل أن تُفاجأ.
السور إذن لم يكن جداراً فقط، بل شبكة اتصال طويلة تعمل بالعين والنار.
أدير مجلة بيكومين العربية للاكتشافات، وكتبت اليوم عن سور الصين العظيم: كم طوله حقاً، ولماذا بُني؟
سؤالي لكم: لو كنت حارساً على أحد الأبراج، ما أول شيء كنت ستفعله حين ترى الدخان يتصاعد من البرج المجاور؟
التعليقات