لو سقطتَ في ثقب أسود، لتمدّد جسمك مثل المعكرونة — قبل أن تصل إلى النهاية

تخيّل أنك تسقط بقدميك أولاً نحو ثقب أسود. لن تشعر بسقوط عادي، بل بشدّ غريب: الجاذبية على قدميك أقوى بكثير من الجاذبية على رأسك، لأن قدميك أقرب إلى الثقب. هذا الفرق يمدّد جسمك طولاً ويضغطه عرضاً، شيئاً فشيئاً، حتى يصير مثل خيط معكرونة طويل. الفيزيائيون يسمّون هذه العملية «التمدد المعكروني».

والمفاجأة أن مصيرك يعتمد على حجم الثقب. الثقوب الصغيرة، التي كتلتها كتلة نجوم، قاسية: قوى المدّ فيها عنيفة لدرجة أنها قد تمزّقك قبل أن تصل إلى حافة الثقب أصلاً. أما الثقوب العملاقة، مثل الثقب في مركز مجرتنا الذي تبلغ كتلته نحو 4.3 ملايين ضعف كتلة الشمس، فأهدأ عند حافتها: قد تعبر الحافة حياً، وفي محاكاة ناسا عام 2024 كان التدمير الكامل بعد العبور بنحو 12.8 ثانية فقط.

أما صديقك الذي يراقبك من بعيد، فسيرى شيئاً آخر تماماً. كلما اقتربت من الحافة، بدا له أنك تتباطأ أكثر فأكثر، حتى تتجمد صورتك قرب الحافة ولا تعبرها أبداً في نظره. لهذا سمّى الفلكيون الأوائل الثقوب السوداء «النجوم المتجمدة». أنت، من جهتك، تشعر أن الزمن يمر عادياً، وتعبر في وقت محدود.

وبعد الحافة لا عودة: الزمكان نفسه يتدفق إلى الداخل بسرعة الضوء، فلا طريق يقود إلى الخارج، مهما كانت قوة محركاتك. وما يوجد في المركز، النقطة التي تُسمى التفرد، ما زال مجهولاً، لأن قوانين الفيزياء كما نعرفها تتوقف هناك.

أنا أدير مجلة بيكومين العربية للاكتشافات، وكتبت عن الثقوب السوداء بتوسع هنا:

سؤالي لكم: لو كان السفر إلى حافة ثقب أسود ممكناً والعودة منه مستحيلة، هل كنت ستذهب لمجرد أن ترى ما لا يراه أحد؟


التعليق السابق

أهلاً يا جوهر، ووصفك دقيق جداً: هي فعلاً معضلة فلسفية، وليست مجرد سؤال علمي. شغف الاكتشاف جميل، لكن قيمته الحقيقية تكون حين تعود المعرفة إلى الآخرين؛ فلو ذهب الإنسان ومات مع معرفته، لضاعت الفائدة التي سافر من أجلها أصلاً. ولهذا كان التلسكوب حلاً عبقرياً: نرى الثقب الأسود ونقيسه ونتعلم منه، من دون أن نقترب منه. وصدقت أيضاً في وصفه بالوحش، فهو لا يرحم من يقترب منه فعلاً. برأيك، لو أتيح لك رصد آمن من بعيد، ما أكثر ظاهرة نجمية تتمنى أن تراها عن قرب؟

بالنسبةلسؤالك ربما مايثير فضولي العلمي في الظواهر النجمية هي رؤية تشكيلها إلى انفجارها .... الكون مليء بالظواهر التي توقد شعلة الفضول لعقل الإنسان ولكن لكل مجال اختاره ...ولعل أجمل مافي علم الفلك هو إبداع الخالق فيه فيزيد إيماننا به فسبحان الذي خلق وابدع.....

شكراً على هذه النظرة الجميلة! وفكرتك عن رؤية النجم من تشكّله إلى انفجاره لها حل عملي عند الفلكيين: عمر النجم الواحد أطول من عمر الإنسان بكثير، لكن السماء تعرض علينا نجوماً في كل المراحل معاً — سحابة غاز يولد فيها نجم، ونجم في شبابه، ونجم آخر ينفجر مستعراً أعظم وينثر عناصره في الفضاء. فنحن لا نرى حياة نجم واحد، بل نرى كل الأعمار في صورة واحدة. سؤالي لك: أي مرحلة تود رؤيتها لو أُتيح لك: ولادة نجم داخل سحابة غاز، أم انفجاره الأخير؟