تخيل أن الكون بأكمله قبل ظهور الحياة لم يكن سوى شجرة عملاقة من الاحتمالات اللانهائية المتداخلة، حيث توجد كل الأشياء في كل مكان وفي لا مكان في آن واحد، هذا ليس مشهداً من فيلم خيال علمي، بل هو الواقع الفيزيائي الذي تصفه معادلات ميكانيكا الكم بدقة متناهية تحت مسمى الحالة الموجية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ويحرج الفلسفة المادية: كيف خرج الكون من هذا التشتت إلى واقعنا الصلب المستقر قبل أن تولد الكائنات الحية؟ ولماذا يعجز العتاد المادي للكون عن رصد وتثبيت نفسه؟ دعونا ندخل إلى عمق مفارقة من يرصد الراصد لنرى كيف يقودنا المنطق الرياضي الصافي إلى إجابة قد تغير نظرتكم للوجود كلياً.
1. صدمة الكم وتناثر النقاط.
بدأت الحكاية حينما هبطت الفيزياء إلى العالم دون الذري، هناك تبخرت المادة الصلبة، وحل محلها ما يعرف بسحابة الاحتمالات الكمية، الإلكترون لا يوجد في مكان محدد، بل هو موجة احتمالية متناثرة في عدة أماكن في نفس الوقت.
ولا يخرج هذا الجسيم من حالة التشتت والاحتمال إلى حالة التعين والواقع الصلب إلا عند تدخل المراقب عبر عملية القياس، وهو ما يعرف فيزيائيا ب انهيار الدالة الموجية.
هنا حاولت المادية الدفاع عن نفسها عبر فرضية ذكية تدعى فك الترابط البيئي، قالوا: الرصد لا يحتاج إلى وعي بشري او روحي، فبمجرد أن يصطدم فوتون ضوء بفوتون آخر في الكون البدائي، فإن المادة ترصد نفسها، وتتكفل البيئة بتثبيت الواقع وتحويله من الاحتمال إلى الصلابة.
ولكن، هل يحل هذا الفرض المعضلة، أم أنه يهرب منها إلى حلقة مفرغة؟
2. مفارقة فون نيومان: من يرصد الراصد؟
اذا قمنا بتشريح فرضية المادة ترصد نفسها بمشرط المنطق الصارم، سنكتشف أنها تقع في فخ التسلسل اللانهائي الممتنع.
تخيل الجسيم (1) وهو في حالة احتمال، إذا جاء الجسيم (2) ليرصده، فإن قوانين ميكانيكا الكم الصارمة تخبرنا أن الجسيم (2) لن يحل المشكلة، بل سيندمج مع الجسيم (1) ويصبح هو الآخر جزءا من سحابة احتمالات أكبر او ما يعرف بحالة تشابك كمي، وإذا أضفنا جهاز قياس مادي (3)، سينضم الجهاز إلى السحابة، وإذا نظرت عين بيولوجية مادية (4)، ستدخل العين في السحابة.
هذه المعضلة الشهيرة تعرف في فلسفة العلوم باسم سلسلة فون نيومان، من الناحية المنطقية: تراكم الأصفار لا ينتج واحدا صحيحا، إذا كان كل عنصر في السلسلة هو عنصر مادي خاضع لقوانين الاحتمال الكوانتي، فإن السلسلة ستمتد إلى المالانهاية، وسيبقى الكون بأكمله مجرد سحابة احتمالات عملاقة ومجمدة في الفراغ، ولن ينشأ أي واقع صلب أبدا.
المنطق البديهي يقول فوتون يرصد فوتونا، يحتاج إلى فوتون أول يرصد الفوتون الثاني، في تسلسل لا ينتهي، والمادة وحدها عاجزة بنيويا عن كسر هذه السلسلة.
3. قاطع السلسلة: الحاجة الوجودية للمراقب الأزلي.
بما أن السلسلة المادية ممتنعة عن كسر نفسها، والدائرة الزمنية الارتدادية باطلة منطقيا، لأن الحاضر لا يمكنه خلق الماضي الذي نتج عنه الحاضر أصلا، فلا بد عقلا وحتما من وجود قاطع خارجي للسلسلة، هذا القاطع يجب أن يتميز بثلاث خصائص جوهرية تفصله عن طبيعة المادة:
أن يكون غير مادي: لكي لا يندمج في السلسلة الكمية ويصبح جزءا من سحابة الاحتمالات.
أن يكون مستقلا عن الزمكان (أزلي): لكي لا يحتاج إلى مسبب قبله يوقعه في تسلسل جديد.
أن يملك وعيا ذاتيا وقصدية: لأن الوعي هو الكيان الوحيد المؤهل لترجمة المعنى وتحويل الاحتمال الرياضي المجرد إلى واقع فيزيائي معاش.
ولكم حرية النقد.
الله المستعان.
ولا يخرج هذا الجسيم من حالة التشتت والاحتمال إلى حالة التعين والواقع الصلب إلا عند تدخل المراقب عبر عملية القياس، وهو ما يعرف فيزيائيا ب انهيار الدالة الموجية.
هناك شئ لا افهمه هنا ، هل الداله الموجيه هنا تنهار بسبب الرصد بمعني وجود وعي ؟ ام ان السبب هو ان الرصد الذي يحدث اثناء المراقبة في المعامل يكون غالبا عن طريق اجهزة قياس تؤثر بالاشعه التي تصدرها .
السبب ليس الاصطدام المادي للأشعة، بل هو المعلوماية وحصول الوعي عليها.
أنصحك بالاطلاع أكثر على تجارب فيزياء الكم الحديثة وتاريخ القياس، وتحديدا تجربة القياس بلا تفاعل وتجربة ممحاة الكم.
حينها ستدرك بنفسك كيف أن مفاهيم المعلومة والرصد في عالم الكم أعمق بكثير من مجرد تصادم ميكانيكي بين جهاز وجسيم، وستفهم لماذا لا تزال هذه المعضلة تؤرق الفلاسفة والفيزيائيين على حد سواء.
قال ماكس بلانك : إنني أعتبر الوعي هو الأصل، وأعتبر المادة مشتقة من الوعي، لا يمكننا ابتداء تجاوز الوعي، فكل شيء نتحدث عنه، كل شيء نعتبره موجوداً، يفترض سلفاً وجود الوعي.
وقال جورج بيركلي : وجود الأشياء المادية يكمن في إدراكها، فكل هذا الهيكل الذي يمثل العالم لا قوام له خارج عقل يدركه، المادة الصماء دون وعي يراقبها هي محض عدم.
وقال إرفين شرودنجر : الوعي لا يمكن تفسيره بعبارات فيزيائية، لأن الوعي هو الأساس المطلق والركيزة التي لا يمكن اختزالها لأي شيء آخر.
التعليقات