أعظم ما في خلق الإنسان ليس الجسد ولا العقل، بل تلك القوة الخفية التي لا تُلمس ولا تُرى: المشاعر والأحاسيس.
كل عضو في جسم الإنسان يمكن أن يُفحص أو يُقاس، إلا المشاعر، فهي تسكن القلب وتتحكم في الروح، دون أن يراها أحد أو يضبطها جهاز.
ولقد استطاع الإنسان أن يرى أدق تركيبات جسده، من الخلية إلى النواة إلى الكروموسومات، لكنه لم يستطع أن يرى تلك المشاعر والأحاسيس التي تحكمه من الداخل. إنها سرٌّ إلهيٌّ لا يُدرك بالبصر، بل يُحسّ بالبصيرة.
لا أحد يستطيع أن يُجبر قلبه على الحب، ولا أن يُطفئ فيه الكراهية إن اشتعلت. قال تعالى:
"لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ" (الأنفال: 63).
فالألفة بين القلوب ليست صنعة بشر، بل نفحة من الله.
ومهما بلغ التقدم العلمي والصناعي في صناعة الأجهزة والروبوتات المشابهة للإنسان، فلن يستطيعوا أن يخلقوا لها مشاعر أو روحًا أو أحاسيس.
وقد جعل الله تعالى المشاعر حتى في الجمادات؛ فقد جاء عن النبي ﷺ أنه كان يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر حنّ الجذع إليه، فأتاه فاحتضنه فسكن، وقال: "لو لم أحتضنه لحنّ إلى يوم القيامة".
وفي يوم القيامة، تُصوّر لنا الآيات مشهدًا رهيبًا حين تشتاط نار جهنم غضبًا على الكافرين:
"إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا" (الفرقان: 12).
فالمشاعر إذن ليست مجرد انفعال بشري، بل هي جزء من سرّ الخلق، وامتداد لروح الله في الكون.
فأحبب من شئت في الله، وامقت من شئت من أجل الله، لتبقى مشاعرك طاهرة نقية، لا تحكمها الأهواء بل يوجّهها الإيمان.
التعليقات