حين يصبح الاختلاف عيبًا
لم يكن الإنسان يومًا يبحث عن الجمال، بل كان يبحث عن القبول. وحين أقنعه العالم أن القبول يمر عبر شكل معين، بدأ يتخلى عن كل ما يجعله مختلفًا.
شيئًا فشيئًا، لم تعد الوجوه تُولد كما هي، بل أصبحت تُعاد صياغتها لتقترب من صورة واحدة. الملامح التي كانت تحكي قصة كل إنسان، صارت تُستبدل بملامح أخرى قيل عنها إنها الأجمل. ومع مرور الوقت، لم يعد الاختلاف يُنظر إليه على أنه هوية، بل على أنه شيء يحتاج إلى تصحيح.
ربما لهذا السبب أصبح التشابه ينتشر أكثر من أي وقت مضى. ليس لأن الناس خُلقوا بالطريقة نفسها، بل لأنهم أقنعوا أنفسهم أن الجمال لا يوجد إلا في اتجاه واحد. نفس أسلوب المكياج، ونفس شكل الشفاه، ونفس تفاصيل الوجه، حتى أصبح من السهل أن تتشابه الوجوه، ومن الصعب أن تتشابه الأرواح.
لكن إذا أصبح الجميع يشبه الجميع... فأين سيختبئ الجمال؟
المشكلة ليست في المكياج، فالمكياج فن، وكل فن وُجد ليبرز الجمال لا ليصنع وجهًا جديدًا. أجمل أنواع المكياج هو الذي يجعل ملامحك أكثر وضوحًا، ويضيف إليها أناقة، لا الذي يمحوها ليترك مكانها ملامح لا تنتمي إليك. وما ينطبق على المكياج، ينطبق أيضًا على كل تغيير يجعل الإنسان يبتعد عن صورته الحقيقية فقط لأنه يطارد صورة رسمها المجتمع.
معايير الجمال لم تكن يومًا حقيقة ثابتة، بل أفكار تتغير كلما تغير الزمن. وما يُعتبر اليوم معيارًا للكمال، قد يصبح غدًا مجرد موضة قديمة. أما ملامح الإنسان، فهي الشيء الوحيد الذي لا يمكن تعويضه إذا ضاع، لأنها ليست مجرد تفاصيل في الوجه، بل جزء من هويته.
ربما لا يحتاج العالم إلى وجوه أجمل، بل إلى وجوه أكثر صدقًا. وجوه لا تخجل من اختلافها، لأنها تدرك أن ما يجعلها مميزة ليس ما أضافته إليها المعايير، بل ما خلقه الله فيها منذ البداية.
فالاختلاف لم يكن يومًا نقيض الجمال... بل كان صورته الأكثر صدقًا.