صناعة محلل سياسي؟
لا شك أن معارضي الحكومة العراقية بالرأي يمتلكون ثقافة عالية في إدارة الحوار وتقديم وجهات نظرهم بطريقة منطقية مبنية على حجج دامغة تنطلق من قراءة دقيقة للمشهد السياسي الراهن. هذا ما دفع حكومة السيد السوداني إلى صناعة محللين سياسيين لضمّهم إلى معسكرها، سعيًا لمجاراة المعسكر المعارض.
غير أن الغالبية ممن تتناغم طروحاتهم مع الحكومة يفتقرون إلى الثقافة العامة، وهم غير ضالعين في المصطلحات السياسية التي يفترض أن تسند خطابهم وتقوّي حججهم أمام المتلقي.
فعلى سبيل المثال، هناك محلل سياسي لانريد ذكر اسمه يبارك ويدافع عن كل خطوة تتخذها حكومة السيد السوداني فقد ظهر هذا المحلل ضيفًا في أحد البرامج السياسية وقال نصًا:
(تكرارالامر والخروج على القضاء والخروج على الامروالخروح على العرف هاي تعتبر راديكالية و الراديكالية هي التطرف بكل شئ).
هنا تتجلى مشكلة جوهرية: إنَّ الاستخدام الخاطئ للمصطلحات السياسية لا يربك الخطاب فقط، بل يحرّف المعنى أيضًا. فالمحلل السياسي من المفترض أن يكون دقيقًا في توصيف المفاهيم، لأن المصطلح في ذاته يحمل حمولة فكرية ومعرفية لا يمكن التلاعب بها أو خلطها بغيرها.
وقبل الدخول في تعريف الراديكالية، من المهم الإشارة إلى أن المفاهيم السياسية ليست مترادفات يمكن استبدالها اعتباطًا؛ بل هي مصطلحات متمايزة في أصولها ومعانيها. والخطأ في التفريق بينها قد يؤدي إلى تشويش الرأي العام أو تضليل المتابعين.
فالراديكالية، بمفهومها العام، تشير إلى أساليب ومبادئ تهدف إلى إحداث تغيير جذري في البنى الاجتماعية أو القيم الأساسية، وغالبًا ما ترتبط بالتغييرات الثورية أو المفاجئة. وهي مشتقة من الكلمة اللاتينية radix التي تعني "الجذر".
أما التطرف، فيعني تبنّي أفكار أو سلوكيات تتجاوز حدود الاعتدال والوسطية، سواء كانت دينية أو سياسية أو فكرية. وغالبًا ما يتسم بالتعصّب وعدم قبول الآخر ورفض الحوار والمبالغة في الرأي أو الفعل، وقد يصل إلى العنف بشكل فردي أو جماعي. ويُعَدّ أخطر مظاهر التطرف ذاك المرتبط بالعقائد الدينية، إذ يسعى لفرض رؤاه على المخالفين بأي وسيلة.
إنَّ الخطاب السياسي الرصين لا يقوم على الانحياز الأعمى بقدر ما يقوم على القدرة على الإقناع عبر الحجة والمعرفة. ومن هنا، فإن صناعة محلل سياسي لا تعني مجرد إيجاد أصوات داعمة للسلطة، بل تعني إعداد شخصيات تمتلك ثقافة راسخة ووعيًا عميقًا بالمفاهيم والمصطلحات. فالمعركة الحقيقية ليست في كثرة المتحدثين، بل في جودة خطابهم ودقته، لأن الرأي العام لا يُخدع بالشعارات، وإنما يلتفت إلى الكلمة الصادقة والفكر المتماسك.
ما ترويه عن محلل يخلط بين الراديكالية والتطرف، فيخطئ الهدف ويشوه المعنى، هو أشبه بمشهد مسرحي تراجيدي يكشف عن أزمة أعمق: محاولة بناء خطاب سياسي دون أساس معرفي، كمن يحاول بناء قصر على رمال متحركة.
الحل بوجهة نظري ليس في صناعة أصوات تردد صدى السلطة، بل في تكوين عقول تملك الجرأة والمعرفة لتقديم خطاب يقنع بالحجة لا بالانحياز، لأن الرأي العام، كما أشرت، لا يُغوى بالشعارات، بل ينشد الكلمة الصادقة التي تحمل في طياتها ضوء الفكر ونبض الحقيقة. أليس الأجدر أن نراهن على جودة الخطاب بدلاً من كثرة المتحدثين، لنبني جسوراً من الثقة بدلاً من جدران من التشويش؟
التعليقات