سيكولوجية الانخداع

كتب: د. محمود المنير - عميد كلية الإعلام والعلاقات العامة - الجامعة الإسلامية - ولاية مينيسوتا

حين يظن الإنسان أنه يتخذ مواقفه بناءً على الحقائق وحدها، فإنه يقع غالبًا في أول فخ من فخاخ الإدراك. فالعقل لا يعمل كآلة تصوير تنقل الواقع كما هو، بل يعمل كمحرر يختار، ويصنف، ويمنح الأولوية، ويعيد تفسير ما يراه في ضوء القيم والمشاعر والخبرات السابقة. ولهذا لا يهرب الناس من الحقيقة بقدر ما ينجذبون إلى الرواية التي تمنحهم شعورًا بالطمأنينة، وتؤكد قناعاتهم، وتفسر العالم بطريقة تبدو منطقية بالنسبة إليهم.

ولهذا السبب كثيرًا ما ينتصر الخطاب المؤثر على الحقيقة المجردة.

في علم الإعلام لا يقتصر السؤال على: هل الخبر صحيح؟ بل يمتد إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف قُدِّم هذا الخبر؟ وما الذي أُبرز فيه؟ وما الذي غاب عنه؟ فالجمهور لا يتعامل مع الأحداث مباشرة، وإنما يتعامل مع الصور الذهنية التي تصنعها وسائل الإعلام حول تلك الأحداث.

يشير عالم الاتصال والتر ليبمان منذ عشرينيات القرن الماضي إلى أن الإنسان يعيش في عالم "الصور الموجودة في رأسه" أكثر مما يعيش في الواقع نفسه. ثم جاءت نظرية ترتيب الأولويات لتؤكد أن وسائل الإعلام لا تملي على الناس ما يفكرون فيه، لكنها تؤثر بقوة في الموضوعات التي يفكرون فيها. وبعدها أوضحت نظرية التأطير الإعلامي أن اختيار زاوية معينة للخبر قد يغيّر تفسير الجمهور للحدث دون تغيير الوقائع نفسها.

ومن هنا تبدأ سيكولوجية الانخداع.

فالخداع الإعلامي الحديث لا يعتمد دائمًا على اختلاق الأخبار، بل يعتمد على هندسة الإدراك؛ أي اختيار إطار معين يعرض الحقيقة من خلاله. فقد تعرض قناتان الحدث نفسه بالصور نفسها تقريبًا، لكن إحداهما تركز على الضحايا، بينما تركز الأخرى على المبررات الأمنية، فيخرج الجمهور بانطباعين متناقضين رغم أن الحدث واحد.

ولذلك ينجذب الإنسان إلى الرواية قبل أن يفحص الدليل.

تشير دراسات علم النفس المعرفي إلى أن الإنسان يبحث بصورة لا واعية عن المعلومات التي تؤكد معتقداته السابقة، وهي الظاهرة التي يسميها الباحثون التحيز التأكيدي (Confirmation Bias). كما أظهرت أبحاث متعددة أن تكرار المعلومة يزيد شعور الناس بصدقها حتى عندما يفتقر محتواها إلى الأدلة، وهي الظاهرة المعروفة باسم أثر الحقيقة الوهمية (Illusory Truth Effect). ولهذا تعتمد الدعاية الحديثة على التكرار أكثر مما تعتمد على البرهان.

ولا يقتصر الأمر على ذلك، فقد كشفت دراسات في علوم الأعصاب أن الدماغ يتعامل مع المعلومات المتوافقة مع معتقداته بطريقة أقل مقاومة من المعلومات المخالفة، لأن الأخيرة تفرض عليه جهدًا معرفيًا أكبر لإعادة بناء تصوراته. لذلك يشعر كثير من الناس بالارتياح عندما يسمعون ما يؤكد قناعاتهم، بينما ينزعجون من الحقائق التي تتحدى تلك القناعات، حتى لو كانت موثقة.

لقد قدمت ثورات الربيع العربي واحدة من أوضح النماذج على قوة التأطير الإعلامي. فقد درست بحوث أكاديمية تغطية بعض القنوات الفضائية العربية للأحداث، وخلصت إلى أن اختلاف زوايا المعالجة أنتج روايات مختلفة للحدث الواحد. ففي حين ركزت بعض القنوات على مفردات مثل "الثورة"، و"الإرادة الشعبية"، و"التحرر"، فضلت قنوات أخرى استخدام مفردات مثل "الفوضى"، و"الاضطرابات"، و"انهيار الدولة". ولم تتغير الوقائع الأساسية، لكن الكلمات المختارة أعادت تشكيل إدراك الجمهور لها. كما بينت إحدى دراسات تحليل المضمون الخاصة بتغطية الربيع العربي أن طريقة تأطير الأخبار اختلفت بصورة واضحة بين القنوات الدولية والإقليمية، وهو ما انعكس مباشرة على تفسير الجمهور للأحداث.

وتكشف دراسة أخرى حللت أكثر من 1340 مادة إخبارية بثتها ثلاث قنوات عربية قبل الربيع العربي أن تمثيل المواطن العربي العادي كان محدودًا، وأن اختيار الشخصيات والقصص التي تظهر على الشاشة أسهم في تشكيل صورة معينة عن الواقع الاجتماعي والسياسي. وهذا يؤكد أن الإعلام لا يصنع الحدث فقط، بل يصنع أيضًا من يستحق أن يكون جزءًا من الحكاية.

ثم جاءت معركة طوفان الأقصى والحرب على غزة لتقدم مثالًا عالميًا آخر على سيكولوجية الانخداع من خلال اختلاف السرديات الإعلامية. فقد لاحظ الباحثون أن كثيرًا من المؤسسات الإعلامية لم تختلف حول وقوع الأحداث، لكنها اختلفت في ترتيبها، وفي اللغة المستخدمة لوصفها، وفي الشخصيات التي منحتها مساحة للحديث، وفي الصور التي اختارت عرضها.

وتوصلت دراسة حديثة حللت أكثر من 14 ألف مادة صحفية خلال السنة الأولى من الحرب إلى وجود فروق واضحة في أساليب التغطية بين عدد من وسائل الإعلام الغربية وبعض الوسائل العربية. فقد لاحظ الباحثون اختلافًا في طريقة إضفاء الطابع الإنساني على الشهداء والضحايا، واختلافًا في اللغة المستخدمة عند الحديث عن أعداد الشهداء ومصادر المعلومات، وهو ما أثر في تشكيل إدراك الجمهور للصراع.

كما أظهرت دراسات مقارنة بين تغطية قنوات عربية وغربية لحروب غزة أن كل مؤسسة إعلامية تبنت إطارًا خبريًا يعكس أولوياتها التحريرية والثقافية والسياسية؛ فبعضها ركز على معاناة المدنيين الفلسطينيين، بينما ركزت مؤسسات أخرى على تضخيم البعد الأمني الإسرائيلي وشيطنة المقاومة ووصمها بالإرهاب وتبني السردية الاسرائيلية.

هذه الأمثلة وغيرها تكشف لنا عن تأثير وسائل الاعلام في تضليل وتزييف الوعي للمتلقي وتكشف لنا عن سيكولوجيا الانخداع وتؤكد حقيقة علمية مهمة: الإطار الإعلامي يسبق في تأثيره كثيرًا من المعلومات نفسها. فالإنسان لا يستقبل الوقائع في فراغ، وإنما يستقبلها داخل قصة وسردية متماسكة تمنحها معنى، وكلما كانت القصة غالبة ومنتشرة وتملأ الفضاء العام، ازدادت قدرتها على التأثير.

وتشير تقارير دولية إلى أن الأخبار المثيرة للعاطفة والغضب والخوف تحقق معدلات مشاركة وانتشار أعلى من الأخبار المحايدة، وهو ما يدفع كثيرًا من صناع المحتوى إلى الاستثمار في الانفعال بدلًا من الاستثمار في التفسير الرصين. وهنا يصبح الاقتصاد الرقمي حليفًا طبيعيًا للخطاب العاطفي.

ومن أخطر ما تكشفه سيكولوجية الانخداع أن الإنسان يعتقد غالبًا أن الآخرين فقط يقعون ضحية للدعاية، بينما يظن أنه يمتلك حصانة فكرية ضدها. لكن الدراسات تؤكد أن هذا الاعتقاد نفسه يزيد قابلية الفرد للتأثر؛ لأنه يقلل من يقظته النقدية عند استقبال الرسائل الإعلامية.

إن المعركة الحقيقية في العصر الرقمي لم تعد تدور حول امتلاك المعلومات، بل حول امتلاك الرواية. فمن يمتلك الرواية يمتلك القدرة على توجيه الانتباه، وصناعة الأولويات، وإثارة المشاعر، وبناء الذاكرة الجمعية. ولهذا أصبحت المنافسة بين المؤسسات الإعلامية تدور حول كسب الإدراك قبل كسب الجدل.

ولا يتمثل الحل في الشك بكل ما يصل إلينا، كما لا يتمثل في تصديق كل ما ينسجم مع ميولنا، وإنما يبدأ عندما نتعلم أن نسأل دائمًا: من اختار هذه الزاوية؟ ولماذا اختار هذه الكلمات؟ وما الحقائق التي بقيت خارج إطار الصورة؟

إن الحقيقة لا تخسر دائمًا لأنها ضعيفة، بل لأنها تصل متأخرة، بينما تصل السردية الغالبة والأكثر انتشاراً أولًا، وتستقر في الوجدان قبل أن يبدأ العقل عمله. ولذلك تبقى مسؤولية الإعلام المهني، كما تبقى مسؤولية الجمهور الواعي، أن يبحثا عن الحقيقة كاملة، لا عن الجزء الذي يرضي المشاعر أو يؤكد السردية الأكثر رواجاً.