22

التحدث بالفصحى في المغرب مُستغرب!

سنة 2007، كتبت موضوعا تحت عنوان: اللغة الفرنسية، شبح يطارد الطالب في نظام التعليم المغربي. يمكن الاطلاع على الموضوع عبر الرابط:

من بين النقاط التي تحدثت عنها وقتها فيه، موقف حدث أثناء إحدى المحاضرات بالجامعة، حين دخل الأستاذ المحاضر، وبدأ يتحدث إلينا بلغة عربية فصحى، ردود فعل الطلبة انتقلت من المفاجأة ومحاولة استيعاب الأمر، إلى السخرية والضحكات المكتومة. لهذا الحد كان الحديث باللغة العربية الفصحى يومها مُستغربا منا كطلبة آذانهم دُمغت بالفرنكفونية.. لا أنكر أني يومها أيضا كنت من بين المستغربين، لكن بجانب استغرابي من ما أسمعه من الأستاذ، استغربت أيضا بل هالتني ردة فعلي وردة فعل زملائي.

بعد مرور سنوات على هذا الموقف، تغيرت أمور عديدة في بلدي المغرب فيما يخص صراع اللغات، صراع لا أعرف من الرابح فيه، لكني متأكدة ان الخاسر الوحيد هو الجيل الصاعد، مشتت الهوية، وغالبا لا هو يتقن فرنسية ولا عربية ، كلمة من هنا وكلمة من هناك.

تغيرت ظروفي أيضا وأصبحت أما وأربي أطفالا هم الجيل الصاعد. من الأشياء التي كنت أحاول ضمانها أثناء نمو أطفالي أن تتعرض آذانهم للغتهم العربية الفصحى أكثر من تعرضها ﻷية لغة أخرى، الرسوم التي أسمح لهم بمشاهدتها رسوم مختارة بلغة عربية فصحى، وهذا خلاف المعمول به حاليا من أغلب أبناء جيلي، حيث وللأسف أصبح الجميع يحاول أن يجعل طفله متحدثا بارعا بلغة المستعمر، وكم ستكون الفرحة كبيرة إن كانت أول كلمة ينطقها الطفل كلمة فرنسية، يا له من إنجاز! شيء مؤسف حقا..

محاولتي لجعل آذان أطفالي آذان عربية فصحية، دعمتها بدمج الفصحى في لغة الخطاب بالمنزل، واستخدام كلمات عربية فصيحة عوض استخدام الكلمات الأجنبية المندسة في لهجتنا اليومية، وأحيانا حتى عوض كلمة من اللهجة المغربية، حتى وإن كان التغيير في حالات معينة هو تغيير في تشكيل الكلمة و طريقة نطقها.

كأمثلة، في لهجتنا المحلية شمال المغرب، نسمي الحصان، 'كابايو" وهي ترجمة الحصان بالاسبانية، إن رأى أطفالي حصانا..سينادونه حصان.

الحافلة باللهجة المحلية هي: "الطْرامْبِيا"، الأصل إسباني، أطفالي يسمونها حافلة.

القمر، ننطقه باللهجة المغربية: قْمَرْ ، أطفالي ينطقنون الكملة: قَمرٌ أو قَمَرْ. الكأْس باللهجة المغربية : كَاسْ، أطفالي ينطقونه بالفصحى كَأْسْ.

الأسد باللهجة المغربية: سْبَعْ، أطفالي يسمونه بالفصحى أسد

لم أغير بالتأكيد كل الكلمات الأجنبية الدخيلة في لهجتنا لكثرتها، لكن غيرت نسبة كبيرة منها واستبدلتها بكلمات من الفصحى. استخدام أطفالي للفصحى بالنسبة لي عز الطلب، لكن الأمر يبدو مستغربا في المجتمع، وغالبا نظرات الاستغراب تلاحقهم إن تحدثوا في مكان عام.

في المساحات المخصصة للعب الأطفال، أجد الآباء المغاربة يخاطبون أولادهم بالفرنسية، مع كونها حرية شخصية، لا يمكنني منع نفسي من التفكير.. لو أكملتِ الأمر وسميته "جاك" بدل عبد القادر، ربما عليك لصق عدسات زرقاء في عينيه وصبغ شعره بالأصفر، هكذا ربما تصبح الصورة متوازنة أكثر وترتاحين بعد تخلصك من أي علامة قد تدل على هويتك وهويته التي من الواضح عدم تقبلك أو ربما احتقارك لها.

هؤلاء الآباء ينظرون لأطفالي باستغراب، قد تجد أجانب"فرنسيين حقيقيين" في نفس المكان، ينظرون للآباء المغاربة باستغراب، غير مفهوم بالنسبة لهم سبب محاولة تقمص الهوية والتمثيلية السخيفة التي يشاهدونها.

لا تفهم من كلامي أني ضد تعلم اللغات، بالعكس، أنا فقط ضد ضياع الهوية.

هذا حال الفحصى في المغرب- من الزاوية التي انظر منها- ما حال الفصحى في بلدك أنت؟ ما الذي سيكون مستغربا في بلدك؟ أن تتحدث لغة أجنبية في مكان عام؟ أو تتحدث بالفحصى؟


أحمد الله أني لا زلت أرى مغاربة يمقتون الفرانكفونية، لكن السبب الحقيقي هو الدولة والمؤسسات التجارية، خاصة عندما تكون كل الوثائق من الاتفاقية إلى الفاتورة بلغة المستعمر، حينها يتساءل المرء هل يمكن فعلا إحداث تغيير بمجهود فردي فقط ؟

بالنسبة لي من الشمال أيضا، أتحدث بلسان أمازيغي رغم كوني عربي الأصل ممن رسا في الشمال بعد نكبة الأندلس، وعائلتي كلهم -ربما لنفس السبب- يعشقون العربية، ويتقنها أطفالنا في عز الصغر، حيث أنا وإخوتي تحدثنا مع المدرس في السنة الأولى بالفصحى بدل الدارجة (لغة بسيطة طبعا)، وهذا بسبب أن العائلة تحرص على تعليمنا الفصحى بدل الدارجة (بعد اللسان المحلي طبعا وهو اللهجة الريفية)، وهذا شيء أشكر الله عليه.

نعود للمؤسسات التجارية التي أصبحت الفرنسية من أبجدياتها، وهذا شأنها ما دام العميل لم يشتكِ بل ويرحب بذلك، لكن استغرابي من مصالح الدولة وهنا أخص مصلحة الضرائب، ما شأنها والفرنسية ؟ لماذا ترغمنا على التعامل معها بالفرنسية ؟

المسألة شائكة حقا، فلو تُرك الأمر للشعب وحده لاندثرت التبعية للمستعمر، لكن المستعمر لا يزال معنا بشركاته ومصالحه ... "من شابه مغتصب أرضه فقد ظلم"

في أي نقاش بيني وبين المتحدثين في بيوتهم ومع أهلهم بلغة المستعمر، وحين يقع من أناقشه في فخ إيجاد أي سبب منطقي يدعوه للحديث بهذه اللغة بدلا من لغته، سبب منطقي يقبله العقل غير أنها ترسبات استعمار لم يغادر إلا بعد أن تأكد من كون أذرعه لا تزال ممتدة في البلد، يكون رد من يناقشني أن الفرنسية مفروضة عليه، وليضمن نجاح أولاده ونجاحه هو نفسه، عليه أن يتشدق بالفرنسية. فكما تفضلت فالفرنسية تطاردنا في فواتيرنا ووثائقنا وشهاداتنا ومنتجاتنا الاستهلاكية..

لكني في الحقيقة لا أجد ما يمنع من تعلم اللغة الفرنسية، كلغة مفروضة علينا في تعاملاتنا اليومية، وبين تركها في مكانها الحقيقي كلغة ثانية، ليس من الضروري أن أجتز هويتي وأصبح فرنسيا أكثر من الفرنسيين أنفسهم لأقرأ وثيقة أو فاتورة أو حتى ﻷتقنها تمام الاتقان. على الأقل لحين يأتي يوم نعيد فيه هذه اللغة لمكانها الأصلي، ففي وقتنا الحاضر هي لا تصلح حتى لتكون لغة ثانية.

هل المجهود الفردي يمكن أن يغير الوضع؟ أعتقد نعم وإن كان التأثير لن يظهر بقوة في جيلي وجيلك، أنا واحد فقط أحاول التغيير ولدي مثلا أربعة أبناء جعلتهم يسبحون ضد التيار وأعدت إنبات جذور الهوية بهم، الأربعة أبناء سيشكلون مستقبلا أربع عائلات، الأربع عائلات ستصبح أيضا عائلات وعائلات، وهكذا.. سنصل يوما لجيل مختلف استعاد اعتزازه بهويته. التغيير لا يأتي في لحظة.

نقاش جانبي

أتحدث بلسان أمازيغي رغم كوني عربي الأصل ممن رسا في الشمال بعد نكبة الأندلس

كيف عرفت انك من عرب الأندلس وليس أمازيغي أندلسي ممن فتح تلك البلاد مع طارق بن زياد ؟

لدي شجرة عائلة تمتد إلى الجد الذي جاء من الأندلس، هو وإخوانه وأولاد عمومته، حيث يمتد نسبي إلى البوحساني التمراوي أو ما يمكن أنك تعرفه بالحضري أو الحطري ما دمت جاري :)

والحضري ابن عم جدي الأكبر لكني ورثت اسمه بينما من عائلتنا من يُكنى بالبوحساني والتمراوي والسلاوي وغيرها من الأسماء التي تُعتبر عند البعض شريفة ^_^ وهذا طبعا لا أعتقده ولا دخل لي فيه :)