-1

ملكة الشرق كله ( زنوبيا.. ومشروعها القومي )

(هذا الموضوع منقول لموقع

تم نقله للفائدة ولوصوله لمجتمع راقي مثل حسوب )

زنوبيا.. ومشروعها القومي

وهذا جهد متواضع للاقتراب من الحقيقة"‏

لا يمكن أن يرد اسم تدمر، دون أن يذكر معه اسم "زنوبيا" وحين يقال "زنوبيا" فلا بد أن يسرح الخيال بعيداً في تلك الواحة الوارفة وسط بادية الشام، وراء الظلال والأفياء، والأعمدة الخالدة، والنخيل الباسق، والأحداث الكبرى التي وحدت الاسمين، وصاغت منهما إحدى ملاحم التاريخ الجميلة الباقية على مر العصور.‏

وعندما استطاعت ملكة البادية الجبارة هذه أن تقيم أول امبراطورية عربية قوية، في ذلك الزمن الصعب، وإن لم تعمَّر طويلاً، فإنها سبقت الامبراطورية الأموية بأربعة قرون.‏

وكانت الظاهرة الكبرى في تاريخ العرب قبل الإسلام حينذاك هي افتقارهم إلى وحدة سياسية تجمع شملهم تحت راية دولة قوية واحدة ، تعيش وتصمد في وجه عاديات الزمن ، وهذا ما صنعه الإسلام في القرن الميلادي السابع .‏

ومهما يكن من أمر فإن تدمر استفادت من الاتجاهات الجديدة في الامبراطوريات العالمية والتحول في طرق التجارة الدولية، فارتفعت من قرية صغيرة إلى واحدة من مدن العالم القديم العظمى.‏

كانت تدمر قائمة بين امبراطوريتي الفرس والرومان، في موقع منعزل وسط الصحراء. وهذا ما جعلها صعبة المنال قبالة الفرق الرومانية والفارسية "الفرثية"، ومكن تجارها من استغلال وضعها‏

هذا كمحطة رئيسية لنزول القوافل، عند هذه النقطة من التقاء الطرق التي تعبر الصحراء من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب.‏

عرب يكتبون بالقلم الآرامي‏

ويرى معظم الباحثين أن أهل تدمر هم من العرب، مع أنهم كانوا يكتبون بالقلم الآرامي. "ويصح هذا على أغلب القبائل العربية التي أخذت تستولي على المناطق الخصبة الواقعة شرق أرض كنعان بعد سقوط الدولة البابلية، فقد كانوا يكتبون بالآرامية، وذلك لكونها لغة الكتابة والثقافة والتجارة في المنطقة الواسعة الواقعة غرب الفرات" ويضيف الدكتور نبيه عاقل إلى الثقافة الآرامية في تدمر، الثقافة العربية واليونانية والرومانية.‏

لقد حدث تقارب بين التدمريين والرومان في عهد الامبراطور "هادريان" "117-138م" الذي مر بتدمر حوالي عام 129 واستقبل فيها استقبالاً حافلاً، فأخذت لقب "المدينة الحرة Civitas Liber"، الذي يخولها سن ضرائبها وجبايتها بنفسها بل إن هادريان أعطاها اسمه "Hadriana Palmyra" أو "Hadriana Polis" ومنح أهلها حقوق روما، كحق الملكية المطلقة والحرية الكاملة في إدارة السياسة. وفي المقابل فإن التدمريين صاروا يسمون أبناءهم أسماء رومانية، وقدموا للرومان قوات من الخيالة التي كانت تحارب بالنبال.‏

خلال ذلك أفادت تدمر من وقوف نشاط دولة الأنباط نهائياً عام 106م إثر زوال استقلالها ونفوذها السياسي. وهؤلاء الأنباط، كما يرى جواد علي عرب مثل سائر العرب، وإن استعملوا الآرامية في كتاباتهم، بدليل أن أسماءهم هي أسماء عربية خالصة، وأنهم يشاركون العرب في عبادة الأصنام المعروفة عند عرب الحجاز مثل "ذي الشرى" و"اللات" و"العزى" وأنهم رصعوا كتاباتهم الآرامية بكثير من الألفاظ العربية.‏

وكان الأنباط قد تمكنوا من استغلال موقع بلادهم جنوب بلاد الشام، لمرور شرايين التجارة بين العربية الجنوبية وبين بلاد الشام، ففرضوا ضرائب على التجار وعلى التجارة عادت عليهم بفوائد كبيرة، كما قاموا بالوساطة، في نقل التجارة بين بلاد الشام ومصر ومواضع من جزيرة العرب. وقد كان ميناء غزة ميناء الأنباط المفضل على البحر المتوسط

كل الطرق إلى تدمر‏

إذن، فقد آلت الطرق التجارية في الشرق جميعاً بين بلاد الشام وجزيرة العرب، من جهة، وبين فارس وبين الهند والصين من جهة أخرى، إلى تدمر، وأصبحت حلقة أساسية في طريق الحرير الهامة بين الصين والعالم الروماني، وهي من مسالك التفاعل الحضاري في العالم القديم.وأمسى التدمريون تجاراً بعد أن كانوا وسطاء تجاريين أو حماة للقوافل. وهكذا وصلت تدمر إلى أعلى درجات الازدهار الاقتصادي، فكان أن التفتت إلى نهضتها العمرانية، فجددت ورممت معابدها القديمة وبنت معابد جديدة: "معبد بل. معبد بنو. معبد بعلشمين. معبد اللات" وأنجزت بناء السوق العامة Agora ثم أضافت لها ملحقاً واسعاً، وبدأت بإنشاء الشارع الرئيسي الذي أزال مباني قديمة كثيرة أو عدل مخططاتها.‏

"وقد اكتشف نقش يبين مقدار الضرائب الجمركية المفروضة على السلع التجارية التي تمر بتدمر، وتبين من هذا النقش أن أهم هذه البضائع كانت الأنسجة الصوفية والأرجوان والحرير والزجاج والعطور وزيت الزيتون والفواكه المجففة والجبن والخمر. ويستدل من هذه القائمة أن تجارتهم كانت مع الهند والصين وبابل والمدن الفينيقية والجزيرة العربية."‏

تدمر وروما‏

يمكن الاستنتاج من الكتابات التي تعود إلى مطلع القرن الأول الميلادي أن تدمر، قبل إلحاقها بروما كان لها نظام حكم يقوم على وجود مجلس للشيوخ ومجلس للشعب، شأن المدن الإغريقية . ولكن دور العشيرة كان هاماً جداً.‏

وعندما دخلت روما منطقة الشرق الأوسط، كقوة خارجية صاحبة نفوذ طمعت بالاستيلاء على تدمر، فأمر مارك انطونيو فرسانه بالاستيلاء عليها عام 41ق.م، وفي إيضاح هذه الواقعة، لدينا نص منقول عن المؤرخ "ابيان" فيما كان يتحدث عن وقائع عام 41ق.م يشي بسياسة التعالي التي لا تخلو من حسد، مما كان يشعر به الرومان تجاه تدمر، فهو يقول "إن كليوباترة عادت بحراً إلى مصر، وأرسل مارك انطونيو فرسانه إلى تدمر، وأمرهم بنهبها إرضاء لهم، إذ ليس لديه ما يلوم عليه التدمريين، اللهم إلا سياستهم المستقيمة، فهم تجار يبتاعون من فارس منتجات الهند وبلاد العرب لبيعها للرومان".‏

ولكن هذه الحملة لم تكن موفقة، فقد أخلى أهل تدمر مدينتهم وأسرعوا ليعبروا الفرات، بأرزاقهم، وأخذوا عبر النهر، يُصلون فرسان انطونيو بوابل من سهامهم الشهيرة.‏

وكما يبدو، فإن هذه الحملة كانت عابرة، ولم يترتب عليها شيء يذكر، إلا أن المرجح أن تدمر كانت تعترف في هذه الفترة بشيء من السيادة لروما، على أن النفوذ الروماني فيها كان صورياً أكثر منه حقيقياً. أما الحامية الرومانية التي أقامت فيها بعدئذ، في النصف الثاني من القرن الميلادي الأول، فإنها لم تكن لتشكل شيئاً يذكر في أعين أهل المدينة والقبائل المحيطة بها.‏

وبقي حال تدمر هكذا: تبعية صورية لروما، ونفوذاً حقيقياً للحكم المحلي، إلى أن جاء الامبراطور "تراجان" فألحقها بالمقاطعة العربية التي أنشأها عام 106م وهو العام الذي شهد نهاية دولة الأنباط على أيدي الرومان أنفسهم.‏

كانت تدمر تحمي نفسها وطرق مواصلاتها في البادية اعتماداً على قواتها الخاصة من الرماة التدمريين، الذين صارت لهم شهرة خاصة، في هذا النوع من استخدام السلاح، وبينهم مشاة وفرسان وهجّانة. وقد شارك هؤلاء مع الفرق الرومانية القادمة من أوروبا وشمال افريقيا في تهديم هيكل اليهود في القدس.‏

روما تطمع في الخليج‏

كان مشروع "تراجان" الامبراطوري التوسعي يرمي إلى إيصال حدود الدولة الرومانية حتى نهر دجلة، والخليج العربي. وكان يعرف أهمية تدمر الجغرافية والسياسية، وهي تتوسط طرق المواصلات جميعاً في هذه المنطقة، فأولى هذه الأمر عناية خاصة.‏

ومع غياب "تراجان" وصعود الامبراطور "هادريان" اختلف وضع تدمر تماماً على النحو الذي ذكرنا.‏

وفي جميع الأحوال، فقد كان ثمة قوة من الفرسان التابعة للجيش الروماني، لسنا ندري تعدادها بالضبط، تعسكر خارج تدمر، لمراقبة الحدود الشرقية للامبراطورية الرومانية.‏

وإذا رأينا أن هذه القوة الرومانية ترمز إلى شكل من وصاية روما على تدمر، فإنها لم تتوفر "بقوة الفتح بقدر ما كانت نتيجة طبيعية لمصالح تدمر الاقتصادية واشتباك تلك المصالح مع مصالح الرومان الذين أصبحوا يسيطرون على الطرق والمرافئ في سورية ومصر والأناضول".‏

"وأصبحت طرق البادية مألوفة في العهد الروماني، فمن حمص أو دمشق أو بصرى كانت تتفرع دروب طويلة تلتقي في تدمر التي تشكل مستودعاً كبيراً في الطريق إلى بلاد الرافدين وفارس، وكان من مصلحة الرومان والفرثيين (الفرس) المشتركة رغم تخاصمهم إعادة النشاط لطريق الصحراء المختصر عبر تدمر، وهو مباشر واقتصادي وآمن نسبياً".‏

وكان ثمة مدن تابعة لتدمر في مقدمتها "دورا أوروبوس" قرب مدينة البوكمال على نهر الفرات. وقد استخدمت لحماية تجارة تدمر الناشئة. ووجدت فيها بقايا أبنية ذات زخارف نافرة تمثل جنوداً تدمريين.‏

وكانت الرصافة بين هذه المدن التي ارتبطت بتدمر اقتصادياً وعسكرياً، وقد عرفت بعدة أسماء في التاريخ القديم مثل "سرجيوبوليس Sergiopolis" وهي تسمية رومانية و"رصابا Rasappa" وهي تسمية أكثر قدماً ترجع إلى الحقبة الآشورية في القرن التاسع قبل الميلاد.‏

صورة تدمر العربية‏

لم تتضح هوية تدمر، ولم تتبلور صورتها العربية قبل آل أذينة، على الرغم من تولي قائد عربي امبراطورية روما، هو سبتيموس سفيريس Septime Severe (193-211م) كان من مواليد مدينة لبتيس Leptis -تدعى اليوم لبدة- في ليبيا، وهي مستوطنة فينيقية، وكانت زوجته عربية أيضاً واشتهرت باسم جوليا دومنا، وهي من حمص، وكان والدها الكاهن الأعظم لهيكل إيلاغابيل Elagabel في هذه المدينة. ذاك أن سفيريس لم يضف أو يعدّل شيئاً في تدمر سوى أنه جعلها مع ملحقاتها بين المدن الاقليمية في امبراطوريته، وفرض على أهلها التجنيد الإجباري.. مثلما فرضه على سواها من مدن الامبراطورية.‏

غير أن الجدير بالذكر أن سفيريس عمل على إبعاد الفرس نهائياً من حوض نهر دجلة وأنهى ذلك نهائياً عام 201م.‏

ولم يمض زمن طويل، حتى كانت السلالة الساسانية قد وصلت إلى سدة الامبراطورية في فارس عام 227م. وقد أدى ذلك إلى تبدل الموقف الاقتصادي والعسكري والسياسي في تدمر رأساً على عقب. ذاك أن الساسانيين احتلوا مواقع هامة على نهري دجلة والفرات، حتى مصبهما، قاطعين الطريق على تجارة تدمر وتجارها، فأحس التدمريون بالاختناق. "وفي هذه الفترة تقل الكتابات المتعلقة بالقوافل. وذلك دليل على أن الثمرات أخذت بالجفاف والنضوب في تدمر جنة القوافل"

لقد مر زهاء خمسة عشر عاماً على تدمر منذ أن منحها كراكلا -ابن سفيريس وجوليا دومنا العربيين- لقب "المعمَّرة الرومانية" الذي يسوّيها بروما من حيث إعفاؤها من دفع الضرائب. وقد أدى ذلك إلى إعطاء الاقتصاد التدمري دفعة جديدة هامة. وكان لا بد أن ينعكس هذا الازدهار التجاري على حالة المدينة العمرانية والاجتماعية "فمد الشارع الرئيسي نحو معبد "بل” وجعلت له تلك البوابة الرائعة المشتهرة باسم "قوس النصر"، وأخذت تبنى المدافن الفخمة التي اصطلح على تسميتها "المدافن-البيوت" ووصلت تدمر في عمرانها إلى مصاف كبرى المدفن العهد الروماني في سورية.. وخارجها."

إذن لم يكن بد أمام تدمر، من الالتفات نحو روما، لمواجهة الساسانيين ومشروعاتهم التوسعية التي تهدد التجارة والاقتصاد والأمن والاستقرار فيها.‏

حقبة حرجة غامضة في تاريخ تدمر‏

ولكن روما لم تكن في أفضل أحوالها، فهي تعيش فترة مضطربة، تميزت بهجمات الفرنجة والألمان والقوط.. والفرس أنفسهم.‏

كانت هذه في الواقع حقبة حرجة وغامضة في الآن ذاته، من تاريخ تدمر، لكن الوضع السياسي تبلور فيها في صورة إمارة تدمرية عربية ذات حكم ذاتي موالية مبدئياً للرومان، تلتف حول أسرة عربية تدمرية.. هي الأسرة الأذينيّة.‏

والواقع أن هذه الأسرة التي يقول "الطبري" إنها من بني "السميدع" وينسبها إلى "هوبر العمليقي"، هي أسرة قديمة معروفة. تولى رجالها مشيخة تدمر والزعامة فيها..‏

أما رأس الأسرة الذي برز اسمه، مقترناً بالطموح الذي مازال ينتقل من زعيم إلى آخر في السيادة والاستقلال عن الرومان والفرس معاً، وبناء دولة عربية قوية تنبثق من قلب بادية الشام، فهو أذينة بن خيرانَ بن وهب اللات.‏

"كانت هذه الأسرة الأرستقراطية المتنفذة، صاحبة الثروة ورؤوس الأموال تحكم المدينة على طريقة مجالس الشيوخ. وألّفت قوة ميليشيا Militia من أبنائها وأبناء القبائل المحالفة لها لتقوم بهذه الواجبات التي لا تستطيع الحاميات الرومانية القيام بها، وهي حماية قوافلها التجارية وحراسة أموالها. وقد كان بالإمكان الاستفادة من التدمريين الذين خدموا في الجيش الروماني لحماية المدينة وتجارتها في أوقات الشدة التي يضطر فيها الرومان إلى سحب حامياتهم من المدينة".‏

نواة جيش تدمر‏

كان هؤلاء في الواقع هم النواة التي شكل منها آل آذينة جيش تدمر، مستغلين انصراف أنظار روما عنهم، لانشغالها بالاضطرابات التي كانت تحيط بحدود امبراطوريتها.‏

وهكذا استطاع أذينة بن خيران الطامح إلى إقامة دولة حقيقية تتوسط الامبراطوريتين الفارسية والرومانية، وتستفيد من موقعها الجغرافي، في قلب الطرق التجارية، ومن مكانتها الاقتصادية -أن يحقق حلمه ويصبح ملكاً عام 250م. لكن الرومان رغم كل مشاغلهم ومتاعبهم، صعب عليهم أن يسمحوا بذلك، فقرروا التخلص منه، وأوعز قيصرهم إلى رجل لا ندري من هو بالضبط، لكنه يدعى "روفينوس Rufinus" بأن يغتال أذينة.‏

وينقل جواد علي عن "أوبرديك OBERDICK" أن "روفينوس" قَتلَ مع أذينة ابنه الأكبر سبتيموس خيران. ولكن الأرجح أن سبتيموس، هذا الرجل حكم تدمر زمناً ليس بطويل، وتحاشى خلال ذلك الاصطدام بالرومان. وحين توفي سبتيموس خيران خلفه أذينة على شؤون المدينة" ولم يرد نسبه في النصوص فلا ندري إن كان ابناً أم شقيقاً لـ(سبتيموس خيران) وقد ذهب بعضهم إلى أنه كان أخاه" ونحن نرجح هذه الرواية، لأن "معني أو Maeonius" ابن خيران، انتقم من عمه، كما سنرى، شر انتقام، تحت شعار أنه انتزع الملك منه."‏

وكان أذينة الثاني "شجاعاً فارساً ألف حياة البداوة، جريئاً محباً للصيد، ولا سيما صيد الذئاب والفهود والأسود. تولى قبل انتقال الحكم إليه قيادة الجيش والقوافل ورئاسة قبائل البادية، فكانت له مؤهلات خاصة وكفايات حسنة، مكنته من رفع شأن تدمر في أعين الرومان، ومن تكوين اسم لها عند رجال الدولتين المتزاحمتين".‏

وما إن وصل أذينة الثاني إلى هذا المنصب حتى بدأ السعي إلى الأخذ بثأر أبيه أذينة الأول، من قاتله "روفينوس- الذي يبدو أنه كان يحتل مكانة مرموقة في الامبراطورية، وإلا لما اضطر أذينة إلى مخاطبة القيصر "فالريان" طالباً إليه إنزال العقاب به. ولكن فاليريان لم يعبأ بهذه الشكوى. فما كان من أذينة إلا أن فكر باللجوء إلى الطرف الآخر. تطبيقاً للمثل القديم "عدو عدوك.. صديقك".‏

كان هذا عام 259م. وقد احتدم القتال خلاله بين العدوين اللدودين: الروم والفرس، غير أن مكريانوس قائد الامبراطور فاليريان خانه، فوقع هذا أسيراً في أيدي الفرس على مقربة من "الرها".‏

بين أذينة والفرس‏

شعر أذينة أن اللحظة المناسبة للانتقام، عن طريق الفرس قد حانت "فأرسل رسلاً إلى "سابور" -الملك الفارسي- حمّلهم هدايا كثيرة، وكتاباً يتودد فيه إليه ويظهر رغبته في مصالحته ومحالفته. فلما بلغ الرسل معسكر الملك وطلبوا ملاقاته لإبلاغه الرسالة، استكبر عليهم وتجبر، وأظهر عجبه من تجاسر "شيخ" على الكتابة إليه ومخاطبته، مع أنه "ملك الملوك" وهو رئيس مدينة في بيداء قفرة لا قيمة لها ولا أهمية. ومن يكون أذينة! هذا الرجل الذي دفعته حماقته إلى التجاسر على سيده بالكتابة إليه، كما ينقل الدكتور جواد علي؟ فإن كان له أمل في عقوبة خفيفة، فليأت إليّ ويداه مغلولتان. وإن لم يفعل فليعلم بأني سأهلكه وأهلك أسرته وأنزل بمدينته الدمار. ثم مزق الرسالة، ورمى بالهدايا تحت قدميه -وقيل: أمر برميها في النهر- فعاد الوفد كاسف البال خائفاً مما قد يقوم به هذا الملك المغرور الطائش، من عمل تجاه مدينة خسرت الرومان، ولم تحظ بالاتفاق مع الساسانيين."‏

"ولما رجع الرسل إلى تدمر وأعلموه بما جرى، قرر الأخذ بثأره من هذا الملك المتغطرس الطائش، فجمع القبائل بظاهر تدمر وجعلها تحت إمرة ابنه "هيرودس" وضم إليها فرسان تدمر بقيادة "زبدا" كبير قواده، وقوّاسيها بقيادة "زباي" وهما من آل سبتيموس، أي من أقرباء أذينة، وحشد معهم بعض الكتائب الرومانية وفلول جند (والريانوس) -فالريان- وسار على رأس هذا الجيش قاصداً المدائن -وهي طسيفون Ktesiphon للانتقام من (سابور) الذي كان قد انشغل بغزو الأنحاء الشمالية، ولإنقاذ القيصر من الأسر.‏

وفي أثناء زحف (أذينة) على المدائن، وصلت إليه أنباء تغلُّب القائد الروماني (كاليستوس) على الفرس وتشتت شملهم وهربهم، فغير اتجاهه وأسرع إليهم لملاقاتهم، وقد أدركهم قبل تمكنهم من عبور نهر الفرات إلا بعد تعب." سنة 260م. واصطدم أذينة مع جيش سابور في معركة عنيفة على ضفاف الفرات انتهت بهزيمة الفرس هزيمة نكراء. وتتبع أذينة فلول الجيش الفارسي حتى أسوار المدائن، لكنه لم يستطع تخليص فالريان من الأسر.‏

بدء المشروع العربي‏

وكان في هذه الأثناء قد راسل غالينوس بن فالريان، فأنعم عليه بلقب قائد جنود الرومان في الشرق Dux Romanorum ومنح نفسه في الآن ذاته لقب (ملك الملوك).‏

كان واضحاً أن أذينة الثاني، يريد شيئاً، من وراء مناوراته وتكتكاته مع الفرس والروم، هو أبعد في الواقع من مسألة الثأر لأبيه القتيل غدراً. فهو يريد استرجاع الأراضي العربية التي احتلها الفرس وضموها إلى امبراطوريتهم، خلال الزمن الذي كانوا ينظرون فيه إلى ملك تدمر أو زعيمها.. على أنه "شيخ" قبائل أو عشائر لا أكثر. وهكذا استطاع أن يستعيد كثيراً من الأراضي والمدن المحتلة بينها "نصيبين" و"الرها" و"حران" فاستقبل هو وجنوده استقبالاً عظيماً. وكان الناس يذكرون بازدراء غالينوس الذي تركهم فريسة للفرس.‏

كان أذينة يهدف أيضاً إلى استعادة السيطرة على طرق المواصلات والتجارة مع الهند التي اضطربت مع ظهور الساسانيين.‏

ولقد أحب خلال ذلك أن يتوج انتصاراته على سابور بالدخول إلى عاصمته "المدائن" فشدد الحصار عليها.. إلا أنه اضطر إلى الانصراف عنها، بعد الأخبار التي تلقاها عن القائد الروماني "مكريانوس" وهو نفسه الذي خان امبراطوره وأوقعه أسيراً في أيدي الفرس ذاك أنه نصب نفسه "قيصراً على آسيا الصغرى ومصر وفلسطين والشام"(33). ويبدو أنه جعل حمص عاصمته، فاتجه أذينة بجيشه نحوه، فما إن تحرك حتى جاءه نبأ مقتل " مكريانوس"، لكنه تابع باتجاه حمص ذاك أن "كياثوس بن مكريانوس" تولى الأمر بدل أبيه. وأمام سور حمص، حيث كان أذينة يحاصر المدينة ألقى قائد روماني آخر هو "كاليستوس" رأس "كياثوس" بين قدمي أذينة وفتح له ابواب المدينة، بعد أن التمس منه الأمان.‏

دولة تدمر العربية‏

وهكذا دخل القائد العربي المدينة العربية التي كانت تعبد الشمس، مثلما تعبدها تدمر. دخلها متوجاً انتصاراته عام 262م. ورغم ما سيحدث بعد قليل، فإن في الإمكان، اعتبار هذه السنة عام تأسيس دولة تدمر العربية الكبرى.‏

ومع ذلك فإن أذينة لم يقطع خيوطه مع روما. فقد أظهر ولاءه، مجدداً بأن أرسل إليها نفراً من مرازبة الفرس الذين قبض عليهم عندما تعقب القوات الفارسية في الجزيرة. فرضي عنه قيصر الروم، وجعل تحت إمرته جميع القوات الرومانية المعسكرة في الشرق، وكلفه تعقب فلول المنشق "مكريانوس".‏

وكثرت ألقاب أذينة، منها ما منحه نفسه كلقب "ملك الملوك" ومنها ما منحه إياه القيصر الروماني كلقب "امبراطور جميع الشرق" وفي رواية أن مجلس الشيوخ الروماني منحه لقب "اغسطس" فصار مساوياً للقيصر.‏

وبدا أذينة ينصرف إلى تنظيم مملكته الجديدة وتدبير شؤونها، "فمنع تعصب الوثنيين على النصارى واضطهادهم لهم، ومنح كل طائفة حريتها في ممارسة شعائر دينها، وخوّل النصارى بناء الكنائس حيث شاؤوا" ووطد الأمن والأمان في مختلف أنحاء الدولة.‏

ورغم مرور الوقت إلا أنه لم ينس الإهانة التي وجهها إليه "سابور" ملك الفرس، ولم ينس أنه فك الحصار عن "المدائن" مكرهاً، فسمى ابنه البكر من زوجته الأولى "هيرودس" نائباً عنه في إدارة شؤون المملكة، وتوجه بجيشه نحو "المدائن" التي عادت إلى إغلاق بواباتها واستعدت للحصار..‏

ولسنا ندري الزمن الذي بقي فيه جيش تدمر حول أسوار "المدائن" لكن حادثاً خطيراً جرى وأرغم أذينة، على تبديل خططه العسكرية وفك الحصار، فقد عبر "القوط" البحر الأسود، ونزلوا بميناء "هرقلية" وزحفوا باتجاه آسيا الصغرى، فاحتلوا عدداً من المدن، وهم يأملون احتلال البلاد جميعاً بما في ذلك بلاد الشام، في أثناء غياب أذينة عنها.‏

المؤامرة الكبرى على أذينة‏

لقد ترك أذينة "المدائن" وعاد مسرعاً إلى بلاده، فولى "القوط" الأدبار هاربين.. وعادوا من حيث أتوا.‏

ومنح أذينة جنوده استراحة يمضونها معه في حمص، ريثما يمسون على استعداد لمعاودة السير نحو "المدائن" التي كان يصر أذينة على فتحها.‏

وأقام أذينة وليمة كبرى في عيد ميلاده حضرها قواده وكبار القوم وبينهم: معني أو معنيوس Maeonius ابن أخيه خيران.. الذي كان يعتقد أن عمه اغتصب الملك منه عندما توفي والده خيران.. ويبدو أنه كان قد دبر المؤامرة كاملة مع عصبة من رجاله، فانقض على عمه أذينة وابنه هيرودس وقتلهما معاً، غير أنه لم يستمر في الملك إلا أياماً قليلة، فقد انتقمت منه سيوف حمص.. وظهرت على مسرح الأحداث "زنوبيا" زوجة أذينة الثانية، وصية على ولي العهد ابنها "وهب اللات".‏

ثمة أسئلة كثيرة تطرح حول اغتيال أذينة الثاني، وقد طرحها المتعمقون في تاريخ "تدمر" والباحثون فيه، وأجابوا عنها أجوبة مختلفة. وكما يقول الدكتور جواد علي فمنهم "من رأى أن الجريمة هي انتقام شخصي بسبب اغتصاب "أذينة" حق القاتل الذي ورثه عن أبيه. ومنهم من رأى أنها مسألة مدبرة ومدروسة وأن للزباء "زنوبيا" يداً فيها. ومنهم من رأى أنها بتدبير الرومان وعلمهم. ومنهم من رأى عكس ذلك: رأى أنها فاجعة للرومان وخسارة كبيرة لسياستهم في الشرق، وأنها من أعمال الوطنيين الذين رأوا في ملك تدمر أداة طيعة مسخرة في أيدي سادة روما فقرروا لذلك الانتقام منه."‏

الزباء في التاريخ العربي‏

على أن هذا المؤرخ يرفض أخيراً أن يبت في سر قتل أذينة وابنه عام 266 أو 267م.‏

هناك شخصيتان اثنتان عرفتا في التاريخ العربي القديم، الجاهلي قبل الإسلام عرفتا باسم واحد هو "الزباء". وهناك عدد من المؤرخين العرب كالدكتور جواد علي والدكتورة ليلى الصباغ يدعون زنوبيا نفسها "الزباء".‏

الأولى هي نائلة -كما يذكر الطبري- والزباء -كما يروي السعودي- غير أن الاثنين يتفقان على بقية اسمها "بنت عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر" - العمليقي: الطبري-‏

وعندما آل إليها الملك عزمت على غزو "جذيمة" الأبرش ملكِ عرب الضاحية النازلين بين "الحيرة" و"الأنبار" في بادية العراق. وكان قد قتل أباها عمرو بن الظرب. لكنها، بناء على نصيحة أختها اصطنعت الدهاء معه ودعته إلى نفسها، وأن يضم ملكه إلى ملكها، فلما قبل وجاء إليها قتلته، فانتقم منها خليفته عمرو بن عدي، وهو ابن أخت جذيمة الأبرش بواسطة قصير بن سعد اللخمي في حكاية مشهورة. ولما تمكن منها قصير في كمين محكم وسط مدينتها، حاولت الهروب عن طريق نفق لكنه أدركها فمصت السم الموجود في خاتمها وانتحرت.‏

أما زنوبيا، فهناك إجماع بين المؤرخين المعاصرين، على عدم ورود ذكرها بين المؤرخين العرب الكلاسيكيين، ولعل هذا هو الذي أدى إلى التباس أخبارها واختلاطها بأخبار الزباء -الأولى- ومعظم أخبارها مستقى من كتابات المؤرخين الغربيين. وكما يقول د. جودة شحادة، فهناك في متحف دمشق قطعة نقدية فريدة، سكّت في الاسكندرية أو أنطاكية، كتب عليها "سبتيميا زنوبيا".‏

وثمة قطعة نقدية أخرى باسم "زنوبيا" موجودة في متحف "اللوفر" ومنها نسخة جصية.‏

وعلى عمود عال في شارع الأعمدة في تدمر تمثال لزنوبيا أقيم في آب 271م وقد نقشت عليه كتابة باللغتين اليونانية والتدمرية ماتزال واضحة حتى اليوم، وهذا نصّها:‏

"إلى سيدتهم سبتيميا زنوبيا أكثر الملكات شهرة وتقوى، وإلى القائدين الممتازين بلقب سبتيموس، وهما زبدا القائد العام وزباي قائد الموقع في شهر آب من عام 582".‏

يقول د. جواد علي إن الكتابات التدمرية ذكرتها على هذه الصورة "بت زباي" أي: بنت زباي. وزباي هو اسم والد الملكة، حذفت كلمة (بت) وهي (بنت) في العربية وقلب الحرف الأخير وهو الياء من كلمة (زباي) وصُيِّر همزة، فصار زباء، وعرفت ملكة تدمر عند العرب باسم (الزباء).‏

حول نسب زنوبيا وشخصيتها‏

ذكر المؤرخ (فلافيوس فوبسكوس Flavius Vopiscus، أن والد الزباء رجل من تدمر اسمه (اخليو Achilleo) وهو في رواية أخرى (انطيوخس Antiochus)(41).‏

وهناك روايات تفيد أن زنوبيا ادعت أنها من مصر، من سلالات الملوك، وأنها من صلب الملكة الشهيرة كليوباترا، وأنها كانت تتكلم المصرية بطلاقة، وأنها ألّفت كتاباً، وضعته بخط يدها، اختصرت فيه ما قرأته من تواريخ الأمم الشرقية ولا سيما تاريخ مصر.‏

مهما يكن من أمر، فليس بين أيدينا، معلومات عن نسب زنوبيا كتلك التي ذكرها بعض المؤرخين العرب حول أصل سمّيتها الأخرى: الزباء.‏

ولئن كان من العسير أن تقال كلمة حاسمة في مسألة نسبها، فلا شيء لدينا يدعونا إلى الشك في أصالة مشاعرها ومواقفها العربية الصريحة، وأن دولتها شيء مختلف عن دولتي الفرس والروم، ولا بد أن تكون لها شخصيتها وتميزها.‏

يذكر المؤرخ تريبليوس بوليو Trebellius Polio أنها كانت تتكلم اليونانية وتحسن اللاتينية وكذلك الآرامية.‏

وقد استقدمت مشاهير الرجال إلى عاصمتها مثل الفيلسوف الشهير (كاسيوس ديونيسيوس لونجينوس Cassuis Longinus) والكاتب المؤرخ (كليكراتس) الصوري و(لوبوكوس) البيروتي اللغوي الفيلسوف و(بوسانياس) الدمشقي المؤرخ و(نيوكوماخس) من زمرة الكتاب المؤرخين المتضلعين بالإغريقية التي كان يكتب لزنوبيا بها، وقد أمسى مستشارها.‏

كانت زنوبيا كزوجها "جريئة، خفيفة الحركة، وقد كرست قسطاً من وقتها لركوب الخيل والقنص. ويصفها المؤرخون بأنها كانت سمراء البشرة ذات أسنان لؤلئية وعينين واسعتين براقتين. وكانت بطانتها تحييها بالسجود على عادة أكاسرة الفرس. وفي المناسبات الرسمية كانت ترتدي حلة أرجوانية، بحاشية زينتها الحجارة الكريمة، وتطوق خصرها بنطاق تاركة واحدة من ذراعيها عارية حتى الكتف. وكانت تركب عربتها المحلاة بالأحجار الثمينة، وقد وضعت على رأسها خوذتها الرومانية المرصعة بالدر والجوهر". وكانت تستنقبل قوادها على مائدة مقّلدة سنة القياصرة والرومان، فتشرف على آنية من الذهب الخالص مرصعة بالأحجار الكريمة. ولم يضر ذلك الإسراف ببيت مالها، فقد كان في خزائنها كنوز ثمينة ومقادير عظيمة من الذهب، لم يكن لها مثيل إلا في خزائن كسرى.‏

في الوقت نفسه كانت زنوبيا مضرب المثل في العفة، ولا تشرب الخمر إلا في النادر، فإذا شربت مع قوادها تفوقت.‏

وكانت تخطب في جنودها بصوت رنان قوي. وقلما اعتلت السرير المحمول، مؤثرة امتطاء الجواد في أغلب الحيان. وذكروا أنها كانت تمشي على قدميها ثلاثة أميال أو أربعة مع الجنود، وأنها كانت تحتمل الشمس والغبار، وتصطاد مع زوجها أذينة في الأحراش والجبال.‏

من جانب آخر، فإن ثقافة زنوبيا الواسعة، وذكاءها المتوهج، وإحاطتها نفسها بباقة من أكابر الثقافة في عصرها، مكنتها من أن تدرك أهمية الأعمال الفنية العمرانية ودورها في إظهار عظمة الدولة وأبهتها. وإذا لم يكن في الإمكان أن يعزى إلى زنوبيا بناء الهياكل العظيمة في تدمر، ولا سيما معبد الشمس المعروف باسم "هيكل بعل" فقد أضافت إلى الآثار التي أبقاها أسلافها أبنية عظيمة وحصوناً عجيبة. وأمرت بإيصال الشارع الرئيسي، الذي كان يجتاز قلب تدمر -وطوله ألف ومئة متر- إلى باب قصرها الشامخ. وصرفت مبالغ كبيرة في تحصين أسوار مدينتها حتى استعصت على الجيش الروماني في أثناء الحصار الشهير عام 272م .‏

وعرفت تدمر الازدهار والرقي في أيام ملكتها العظيمة، فقد عمرت البراري، وجرت المياه ومهدت الطرق وشقت الشوارع. ثم امتد العمران في أيامها إلى ضفاف الفرات.‏

اليهود يكرهون زنوبيا‏


القسم الثاني لعدم تمكني من كتابة القصة كاملة في تدوينة

ماذا كانت ديانة زنوبيا. وهل صحيح أنها كانت يهودية، كما ذهب بعض اليهود قديماً، وكما يذهب بعض غلاة الصهاينة حالياً، هؤلاء الذين كلما رأوا عظيماً أرادوا أن ينسبوه إليهم؟!‏

ليس في الآثار التي بين أيدينا ما يفيد تهودها. صحيح أن خبراً ورد في "التلمود" يفيد حمايتها للأحبار، ولكن هناك أخباراً أخرى توضح أن اليهود كانوا ناقمين على (تدمر) يرجون الله أن يطيل عمرهم ليروا نهايتها. وهناك روايات أخرى تشير إلى كراهية يهود منطقة الفرات لتدمر.‏

وانخرط عدد كبير من اليهود في صفوف أعداء زنوبيا. واشتركوا مع الفرس في حروبهم ضد تدمر، مثلما اشتركوا مع الرومان. وقبض على عدد من أحبار اليهود أحضروا إلى زنوبيا، كانوا يحرضون الناس على التدمريين.‏

من جانب آخر، فإن ثمة أخباراً مختلفة تنسب زنوبيا إلى الديانة المسيحية. وثمة من قال إنها لم تكن مسيحية حقيقية، لكنها كانت قريبة من هذه الديانة.‏

وهناك من ذهب إلى أن معتقدها كان وسطاً بين الديانتين المسيحية واليهودية: تعتقد بوجود الله، لكنها تراه كما يراه الفيلسوف. وأحسب أن هذا هو الأرجح، مع وجود إشارات إلى وثنّيتها.‏

يمكن القول إن زنوبيا، عرفت جيداً كيف تقرأ تاريخ أسرة زوجها، منذ مقتل "أذينة" الأول، حتى اغتيال أذينة الثاني والد ابنها "وهب اللات" الذي عدت وصية عليه، فلا موالاة الفرس نفعت أو عادت بجدوى على المدينة أو ملكها، ولا الرومان قدموا سوى إغداق الألقاب مع تحصيل ما يمكن من أموال تدمر.. لقاء حراسة حدود الامبراطورية في بلاد الشام.‏

وإذا كان ملك الفرس "سابور" قد أراد إذلال زوجها وإهانته، فإن أيدي الرومان لم تكن بعيدة عن مقتل أذينة الأول وأذينة الثاني. لذلك أدركت زنوبيا منذ البدء أن كلا طرفي المعادلة خاسر، وأنها إذا تنكبت عن موالاة روما فإنها لن تخسر أكثر مما يمكن أن تخسر، ولن يختلف مصيرها في جميع الأحوال.‏

وفي الآن ذاته كانت آمالها عريضة في إقامة دولة عربية كبيرة تسيطر على التجارة الشرقية، من منافذها في العراق، حتى مصباتها في آسيا الصغرى والبحر المتوسط. واستطاعت فعلاً أن تحول مملكتها التدمرية، محدودة الرقعة، إلى امبراطورية حقيقية تمتد على بلاد الشام كلها، وعلى جزء من آسيا الصغرى وعلى مصر... إضافة إلى شمال الجزيرة العربية.‏

تصور واضح لحكم عربي‏

ويبدو أنه كان لديها تصور واضح وكامل، لحكم عربي يعتمد على مفهومات سياسية عميقة: كالإيمان بضرورة وحدة المنطقة، لتحقيق السيادة لمملكة تدمر المتوسطة. ولا بد أنها فكرت بوحدة قومية للقبائل العربية التي شرعت تتوضع أكثر فأكثر في هذه المنطقة . ولم تزدها الأيام إلا اقتناعاً بأن الرومان هم أعداء تدمر، وأنهم لا يفكرون إلا في مصالح الرومان الخاصة. وكان هذا يزيدها قرباً من القبائل العربية وتودداً إليها، فهم "قوة لا يستهان بها. ولو نظموا واستغلوا استغلالاً جيداً، لصاروا قوة يحسب لها كل حساب".‏

كانت زنوبيا تدرك أن الوقت والظروف مناسبة لتحقيق مخططها، في تلك السنة 268م "فالبرابرة يهددون الامبراطورية الرومانية، والنزاع على السلطة جاد في روما، ومصر مهددة بالقراصنة".‏

أما خطوتها الأولى في الابتعاد عن روما، فإنها تمثلت في اتخاذ ابنها "وهب اللات" -بناء على تدبيرها- لقب "قنصل" ولقب "Dux Romanorum أي قائد عام الجيوش الرومانية ثم Imperator ومع أن هذين اللقبين كانا لأبيه من قبله، فلا بد أنهما استفزا "روما" وإن يكن "وهب اللات" ومن ورائه زنوبيا، مازال يعترف للامبراطور بلقبي "أوغست" و"قيصر" وذلك واضح على النقود المسكوكة في ذلك العهد، وفي بعض النصوص التدمرية.‏

لقد أظهرت زنوبيا نيتها في إنشاء امبراطورية عربية مستقلة، وبرهنت على قدرتها الفائقة في إدارة شؤون الحكم، فخاف منها الرومان، وحرض شيوخ روما القيصر "غاليانوس" أن يقضي على هذه المرأة الحديدية، قبل أن يستفحل أمرها، وتصل من القوة إلى درجة تستطيع معها تهديد روما نفسها.. وهكذا بعث بجيش إلى الشرق تظاهر بأنه يريد محاربة "سابور" الملك الفارسي، في حين أنه كان يريد في الواقع مهاجمة دولة زنوبيا والقضاء عليها. استعدت زنوبيا جيداً للقاء الجيش الروماني، والتحمت بكتائبهم، فانتصرت عليها انتصاراً مؤزراً، حتى إن الجنود لاذوا بالفرار تاركين قائدهم هرقليانوس قتيلاً في أرض المعركة.‏

حاميات ومواقع استراتيجية‏

وكي تشل حركة روما ضدها، أرسلت قائديها المخلصين "زبدا" و"زباي" فتوغلا مع قواتهما بعيداً في آسيا الصغرى، ليقيما الحاميات التدمرية في المواقع الاستراتيجية هناك.. حتى "انقرة".‏

ولم يكن الخطر الفارسي غائباً عن ذهنها، فقوّت حدود مملكتها الشرقية، وأمرت بإنشاء حصن زنوبيا على نهر الفرات، ليقف في وجه هجمات الساسانيين. وهناك من يذهب إلى أن هذا الحصن هو نفسه ما يسمى اليوم "حلبية" و"زلبية"، مما وصفه ياقوت الحموي بأنه "مدينة على شاطيء الفرات، ومعقل في عنان السماء، ومدينة قديمة حسنة الآثار".‏

كانت زنوبيا تتحين الفرص كي تثب نحو مصر. فلما قتل القيصر غاليانوس وخلفه "أوريليوس كلوديوس Marcus Aurelius Claudius رأت أن الجو صالح للحركة فمن جهة كان "القوط" يربكون روما، ومن جهة ثانية أدّت هزيمة هرقليانوس ومقتله أمام زنوبيا إلى شعور الرومان بالمرارة إلى درجة الإحباط. بل إن أعضاء مجلس الشيوخ، صاحوا لدى مبايعتهم القيصر الجديد سبع مرات:‏

"يا كلوديوس اغسطس نّجنا من فكتوريا ومن زنوبيا. يا كلوديوس أغسطس أغثنا من التدمريين".‏

انتهزت زنوبيا هذه الفرصة وأرسلت جيشها إلى مصر.. لكن أموراً كانت قد جرت في مصر سهلت لها مهمتها. فقد كان القيصر أمر عامله على مصر "بروبوس Probus" كي يخرج بأسطول الاسكندرية إلى البحر لمطاردة "القوط" فانتهز الوطنيون المصريون المعارضون لحكم الرومان هذه الفرصة، فكتبوا إلى زنوبيا يحضونها على تحرير مصر وتولي الحكم فيها. وأظهر "فيرموس Firmus" وهو ثري كبير استعداده لمساعدة الملكة بالمال وكل ما ينبغي إذا أرادت الاستيلاء على مصر. فسار قائدها "زبداي" على رأس جيش قوامه سبعون ألف جندي نحو مصر فأسقط حاكمها وأقام حامية في الاسكندرية.‏

زنوبيا في مصر‏

ساعد عرب مصر من سكان المناطق الشرقية فيها جيش زنوبيا مساعدة كبيرة، في المعارك، ولا سيما تلك التي دارت حول حصن (بابلون Babylon) الذي عرف بـ"الفسطاط" في ما بعد. ويذهب بعض المؤرخين إلى أن "تيماجينيس Timagenes" الذي كان يتزعم الوطنيين المصريين ضد الرومان هو عربي حقيقي، واسمه عربي أخذ من "تيم اللات" أو من "تيم جن".‏

ويظهر أن زنوبيا عقدت اتفاقاً بعد ذلك مع روما، وافقت هذه بموجبها على بقاء جيش تدمر في مصر، مقابل اعتراف تدمر بسيادة الرومان على وادي النيل. وكان ذلك في أيام "كلوديوس"، وبقي الاتفاق ساري المفعول حتى أوائل سنوات حكم القيصر أورليانوس Aurelianus "270-275م". وهناك نقود ضربت في الاسكندرية في سنتي 270 و271م وعليها صورة مزدوجة لوجه أورليانوس حاملاً لقب "اغسطس" ووجه "وهب اللات إشارة إلى الحكم المزدوج في مصر.‏

وفي الحقيقة فإن بلوغ سلطة زنوبيا.. مصر وشمال إفريقيا، ينبغي النظر إليه من زاويتين اثنتين: اقتصادية وسياسية، فقد كانت مصر تحسب بين أهراءات روما الأساسية، وفي الآن ذاته فإنها تسيطر على طريق الهند عبر البحر الأحمر. وقد ازداد هذا الطريق أهمية، بعد أن أغلق الساسانيون منطقة الخليج العربي. ويمكن القول بعبارة أخرى إن زنوبيا، انطلاقاً من عقدة المواصلات البرية في تدمر، والبحرية في مصر، سيطرت سيطرة تامة، على الطرق التجارية بين الهند والشرق وبين البحر الأبيض المتوسط. وهذا ما كانت روما تعدّه من مكتسباتها التي أخذتها زنوبيا من بين أيديها.. وجعلتها تحت تصرفها بالكامل.‏

وهكذا يفضي بنا الاقتصادي إلى السياسي، فنغدو أكثر قدرة على فهم الصيحات التي تصاعدت في روما، تدعو أعلى فأعلى إلى فك الارتباط والاتفاق مع زنوبيا، ونستوعب الضغط على الامبراطور الروماني الجديد (أورليانوس) من أجل إنقاذ دولته من ذلك التصدع الذي لحق بها في أوروبا.. وفي الشرق.. إضافة إلى الفتنة المشتعلة في روما.‏

وأصبح تحديها سافراً‏

عالج أورليانوس مشكلاته واحدة بعد الأخرى. قضى على الفتنة في روما أولاً، ثم التفت إلى الجرمان فأدبهم.. ولم يبق أمامه سوى الالتفات إلى تدمر وملكتها زنوبيا.. "وبلغ سمع الملكة من أصدقائها ومخبريها في روما عزم الامبراطور على القضاء عليها، فقررت القيام بعمل سريع قبل مباغتة القيصر لها، فألغت الاتفاق المعقود مع الرومان في أيام "كلاوديوس" وأمرت بمحو صورة أورليانوس من النقود لتبرهن على قطع علاقتها بالقيصر وعدم اعترافها بسيادة روما الاسمية عليها. وأمرت بضرب صورة وهب اللات وحده -على النقود- مع اللقب الامبراطوري المخصص لقياصرة روما.‏

ولقبت نفسها في النقود التدمرية بلقب "ملكة" أما مصر فقد كان لقبها هي وابنِها فيها "اغسطس" وهو لقب القياصرة الرومان.. وبذلك أصبح تحديها روما سافراً.‏

من جانب آخر فإنها عقدت مفاوضات مع "فيكتوريا" ملكة "الغال" التي طالب شيوخ روما الامبراطور كلوديوس أن ينقذهم منها.. ومن زنوبيا. وفيكتوريا هذه كانت تحكم بلاداً واسعة حول الامبراطورية الرومانية تشمل فرنسا كلها وبلجيكا وسويسرة. ولسنا نعرف مآل هذه المفاوضات، وما يمكن أن يكون قد تمخض عنها من اتفاق، لكن المقول إن الملكتين كانتا تريدان توحيد الخطط في مهاجمة الامبراطورية الرومانية واقتسامها.‏

وبالفعل أمرت زنوبيا جيوشها بالسير في آسيا الصغرى، حتى بلغت (خلقيدون) بإزاء القسطنطينية دون أن تواجه مقاومة تذكر. ويقال إن الملكة كانت قد أمرت بصنع عجلة فاخرة للدخول بها في موكب الظفر إلى عاصمة الرومان.‏

وهكذا أمست أجزاء ضخمة من الامبراطورية الرومانية في بلاد الشام ومصر وآسيا الصغرى، في قبضة ملكة تدمر. أي أنها وضعت "تحت سلطتها كل منافذ طرق المواصلات البرية والبحرية مع الشرق الأقصى، والمصادر الرئيسية لتموين روما في الوقت نفسه".‏

غلطة زنوبيا الكبيرة‏

كان على زنوبيا وقد قررت أن تتحرك نحو آسيا الصغرى، أن تسحب القسم الأعظم من جيشها المعسكر في مصر، معتمدة على دفاع المصريين أنفسهم إذا هجم عليهم الرومان. ولكن أورليانوس الذي قرر مواجهة زنوبيا في منتهى الحزم والقوة والحكمة، واللجوء إلى مختلف الحيل والتكتيكات العسكرية. انتهز الفرصة، وأرسل مدداً إلى قائده "بروبس Probus" الذي كان مايزال في مصر، ويبدو أن قوات زنوبيا لم تستطع إبعاده عنها.‏

وسارعت زنوبيا فأرسلت قائدها "زبدا" ليساعد "فيرموس Firmus" -الزعيم الوطني المصري الثري الذي سبق أن عينته نائباً عنها في مصر- في صد الرومان. ودارت معارك بين الطرفين كاد جيش (زبدا) أن ينتصر فيها، لكنه هزم أخيراً في سنة 271م. وكانت هذه أول نكبة عظيمة تنزل بزنوبيا. ومنذ 29 آب- اغسطس، توقف في الاسكندرية سك النقود التي تحمل صورة ملكة تدمر وابنها. ولا جدل في أن هذه الهزيمة تركت أثرها البعيد، على دولة تدمر وملكتها زنوبيا، فقد خسرت موقعاً له أهميته الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية:‏

بات في الإمكان تهديد تدمر من الجنوب. وخسرت في الآن ذاته سيطرتها على هذا الموقع، مورداً مالياً، وطريقاً رئيسياً للمواصلات البحرية من الشرق، وكانت لهذه الخسارة حتماً نتائجها السياسية داخل الدولة وخارجها.. ولا بد أنها أدت إلى شعور زنوبيا بمقدار كبير من الإحباط والمرارة.‏

وفي الشمال، في آسيا الصغرى، عبر القيصر الروماني أورليانوس مضيق البوسفور، وفاجأ جيش زنوبيا في "بيثينية Bithynia" في أواخر السنة ذاتها: 271م، وربما في أوائل السنة التالية.‏

وتساقطت المدن والبلدات تباعاً في آسيا الصغرى، أمام القوة الرومانية المتقدمة بزخم هائل: غلاطية Galatia وكبادوكيا Cappadocia وسواها إلى أن بلغت القوات الرومانية أنقرة .‏

الأعداء الداخليون يتحركون معاً‏

في تلك الأوقات الصعبة من تاريخ الدولة العربية في تدمر، تحرك جميع الأعداء الداخليين، من أنصار روما وجواسيسها وعملائها، مع اليهود الذين لم ينسوا اشتراك الجنود التدمريين في تدمير الهيكل في القدس مرتين. فشنوا حرباً نفسية ضاربة ضد زنوبيا وتدمر، وأذاعوا إشاعات أضفوا عليها طابعاً دينياً، مؤداها أن جيش تدمر مغلوب لا محالة، وأن إرادة الآلهة قضت بذلك.‏

إحدى هذه الإشاعات، تقول إن الحجاج التدمريين إلى معبد "الزهرة" في "أفقة Aphca" سألوا كهنة المعبد قبل سنة -من سقوط تدمر- عما سيحل بمدينتهم في السنة التالية، فحدثوهم عن مصير سيىء ستؤول إليه تدمر، وعن كارثة ستنزل بهم.‏

وثمة إشاعة أخرى نميت إلى كهنة معبد (ابولو Apollo)، مفادها أن دولة تدمر ستزول، وأن مشيئة الآلهة انتصار (أورليانوس) على زنوبيا. وروج اليهود إشاعات نقلاً عن الحبر يهوذا (R. Juda) جاء فيها قوله "سيحتفل الإسرائيليون في أحد الأيام بعيد، إنه عيد هلاك ترمود Tarmud. إنها ستهلك، كما هلكت ثمود Tamud".‏

وترمود، هي تدمر نفسها.‏

ولسنا هنا بالطبع لعرض الإشاعات الكثيرة التي نشرها أعداء تدمر وزنوبيا، لكن الواضح أنها كانت ترمي إلى نشر جو من الذعر واليأس بين أفراد الجيش التدمري وأبناء الشعب، من أجل التخلي عن المقاومة وإلقاء السلاح والاستسلام للجيش الروماني، وكانت المعارك تدور بينه وبين جيش تدمر، من مكان إلى آخر.. من انطاكية.. إلى حمص.. إلى تدمر..حيث الحصار الكامل الطويل.‏

ثمة من يقول إن (زبدا) قائد زنوبيا الأول، هو الذي ترك القيصر أورليانوس يعيد احتلال بعض المدن في آسيا الصغرى، بعد أن عبر البوسفور. وكان تراجع زبدا، في سبيل الاستعداد لمواجهته عند (انطاكية).. حيث قدمت زنوبيا على رأس قوات تدمر. كانت هي فارسة تحارب في الطليعة، أما القيادة فكانت لقائدها زبدا.‏

المعركة أمام انطاكية‏

في الوقعة الأولى هجم فرسان تدمر على الكتائب الرومانية فشتتوا شملها، فأمر القيصر جنوده بالرجوع إلى مسافات بعيدة ليوهم التدمريين أنه قد فر، فإذا ساروا في إثرهم وابتعدوا عن قواعدهم باغتهم بالهجوم، فلا يتمكن فرسان تدمر من الحركة لثقل أسلحتهم وبطء خيلهم، بالقياس إلى خيل الرومان. وهذا ما حدث تماماً. وانهزم جنود تدمر، فانكفؤوا إلى "انطاكية"، ولكن زنوبيا رأت وجوب مغادرة المدينة بسرعة، لأنها كانت تعلم جيداً أن أهل المدينة ليسوا معها، ففيها جالية يونانية كبيرة متعاطفة مع الرومان، وكان مسيحيو انطاكية يعادون زنوبيا لأنها انحازت إلى جانب (بولس السميساطي) حين قرر مجمع انطاكية عزله من وظيفته، فلم تنفذ قرار المجمع وتركته يتصرف في أموال الكنيسة.. ثم جعلت منه الرئيس الروحي والدنيوي في انطاكية. وكان في المدينة بعض اليهود الذين يكرهون تدمر وزنوبيا معاً..‏

في اليوم نفسه الذي دخلت فيه زنوبيا انطاكية غادرتها. وفي اليوم التالي دخلها أورليانوس..‏

وتابع القيصر الروماني خطته في تعقب زنوبيا وجيشها حتى بلغ حمص Emisa، حيث كانت ملكة تدمر تنتظره مع زبدا على رأس جيش قوامه سبعون ألفاً، في مفازة عريضة شمال المدينة.‏

كان واضحاً أن الجنود الرومان أفضل تدريباً ولياقة من جنود الجيش التدمري. وفي الآن ذاته فإن أورليانوس برهن على عبقرية عسكرية حقيقية، وقدرة على الاكتشاف السريع لمواطن الضعف في جيش تدمر.‏

زنوبيا تعقد مجلساً حربياً..‏

تقول المصادر الرومانية: عندما دق نفير المعركة انهزمت خيالة أورليانوس، لكنها لم تتبعثر، فكانت لخفتها تتجمع وتناور بسرعة، متعبةً الخيالة التدمريين الذين ينوؤون بأسلحتهم الثقيلة.‏

ولما بلغ التعب منهم كل مبلغ تصدت لهم فيالق المشاة الرومان، والأفواجُ المساعدة، من كل جانب، فأنهكتهم وجعلت الفوضى تدب فيهم. وحصلت مقتلة كبيرة بين الطرفين، وتراجع الجيش التدمري يحتمي بأسوار حمص. وهنا عقدت زنوبيا مجلساً حربياً، واتفق المجتمعون على الانكفاء.. حتى تدمر.‏

وسلكت زنوبيا طريق تدمر، بينما دخل أورليانوس حمص وغنم ما تركته زنوبيا من عتاد وتجهيزات وأموال.‏

على الرغم من هذه الانتصارات التي حققها الجيش الروماني، منذ أن عبر القيصر أورليانوس مضيق البوسفور، فإنه كان يعرف جيداً أن النصر النهائي ليس سهلاً، فهو عالم بعناد زنوبيا، ولا شك في أنه حسب حساباً، لما يمكن أن تقوم به من استنجاد بالفرس ضده، ومن اتصال بالقبائل العربية المنتشرة في بادية الشام. ولذلك فإنه أسرع في اللحاق بزينب، عبر الصحراء، ملاقياً مع جيشه عناء كبيراً من القيظ وغارات الأعراب، فلم يبلغ تدمر قبل أسبوع.‏

وكانت زنوبيا قد سبقته، بوقت كان كافياً، لتهيئة تدمر، كي تواجه حصاراً صعباً طويلاً، فحشدت قواتها، ووزعتها على المواقع الدفاعية توزيعاً جيداً، وأحكمت آلات الدفاع على الأسوار، وعبأت مهرة الرماة -والجيش التدمري مشهور برماته- حتى في المدافن البرجية. وأولت اهتماماً خاصاً للمنجنيقات التي ترمي النار والحجارة.‏

حصار تدمر‏

ومع السهام والنبال والنار اليونانية والحجارة الضخمة التي كانت تنهال على الجنود الرومان، فإنهم كانوا يسمعون صيحات الشتائم والسخرية والهزء تتنزل عليهم من أعالي السور. ولعل هذا كان وراء تهكم شيوخ روما على أوليانوس حينما طال زمان الحصار، فكتب إليهم يقول:‏

"يتحدث الرومان أني أحارب امرأة، ولكن لا ريب في أن الخطر كان أخف لو كنت أحارب رجلاً، لأنه يستحيل علي أن أصف استعداد هذه المرأة للحرب، وأن أقدر ما يوجد في عاصمتها من قسي وسهام وحجارة للمنجنيق، فليس ثمة مكان من السور إلا وهو ممنع بالمجانيق، في صفين أو أكثر وبآلات رمي النيران. إن زنوبيا لا تقاتل قتال امرأة، إنما تدافع عن نفسها دفاع المستيئس الذي يتوقع مصيراً مشؤوماً".‏

.. ولم تكن تدمر مدينة صغيرة، فقد كانت منتشرة في متَّسع كبير من الأرض، ولقد دلت التنقيبات التي أجريت عام 1926 أنها كانت تنبسط في دائرة قطرها ثلاثة كيلومترات ونصف. وقد حاول أورليانوس وجنوده وقواده محاولات عديدة لتقويض أسوار تدمر بالحفر والنقب دون جدوى. وثمة من يروي أن أورليانوس نفسه أصيب في رجله بسهم خلال الحصار.‏

في الشهر الرابع من الحصار الذي استمر حول تدمر زهاء خمسة أشهر، وقاست فيه جيوش أورليانوس أنواع العذاب، أرسل إلى زنوبيا الرسالة التالية:‏

"من القيصر أورليانوس امبراطور روما إلى زنوبيا ملكة تدمر‏

لقد طالت هذه الحرب. عليك أن تستسلمي إذا كنت تبغين تحاشي بطش المنتصر. وإذا استسلمت نلتِ سلامتك وسلامة أصحابك وأصبح بإمكانك أن تعيشي وأسرتُك في مدينة يعينها لك شيوخ روما المحترمون. أما تدمر فأنا أتعهد بأن تظل محتفظة بحقوقها السياسية والإدارية والتجارية جميعاً. وعليك أن تسلمي أموالك وجواهرك ومتاعك إلى خزينة روما.".‏

وقد أجابته زنوبيا جواباً، حافلاً بالثقة والاعتداد بالنفس والكبرياء والتهكم، رغم الصعوبات الخطيرة التي كانت تعيشها تدمر، ولا سيما نقص الأغذية. وقد أملته باللغة الآرامية على مستشارها لونجينوس، فنقله إلى اليونانية:‏

"من زنوبيا سلطانة الشرق إلى أورليانوس أغسطس‏

لم يتجاسر أحد قبلك أن يتقدم بطلب مثل طلبك. اعلم أنك لا تستطيع أن تغنم شيئاً في الحرب من غير شجاعة وثبات واستحقاق. وأنا لا أدري كيف تجرؤ على طلب استسلامي وأنت تفني قواك في حصار مدينتي المنيعة؟ أتجهل أن كليوباترا آثرت الموت على أن تحيا أسيرة؟ لا تنتظر مني شيئاً، وأحب أن أنبئك بأن حليفي القوي ملك الفرس، سيرسل إلي جيوشاً، فلترتجف روما. إن تدمر تهوى الحرب ولا تخشى الجوع. كما أن الأرمن والعرب يفدونني جميعاً بأرواحهم. لقد هزمك أفراد منهم، فماذا تكون حالك حين أجتمع وإياهم على قتالك؟ لا ريب في أنك تجرد نفسك من كبريائها عندما ترى جحافلهم قادمة، ذلك الكبرياء الخطير الذي دفعك لطلب استسلامي، وكأن الظفر حليفك".‏

موقف قبائل البادية‏

تصورت زنوبيا أن القبائل في بادية الشام ستخف لنجدتها، فتحيط بالقوات الرومانية التي تحاصر تدمر، فتغدو هذه بين فكي كماشة. وذكر أن بعض هذه القبائل تحرش بجيوش الرومان وهاجمتها، فمنيت بخسائر فادحة. وذكر أيضاً أن القيصراشترى أنفس رؤساء القبائل بالمال، فأمن بذلك شرها، وسلم من عدو يحسب لعداوته ألف حساب. وهناك من يذهب إلى أن زنوبيا أهملت شأن شيوخ القبائل في الماضي فخذلوها، واستجابوا لإغراء المال. وهذا أمر ينبغي التوقف عنده وتأمله بعمق.. في الزمن العربي الراهن..‏

أما النجدة الفارسية، فقد تضاربت الروايات في شأنها، فمن قائل إن الفرس لم ينجدوا ملكة الشرق، وكانوا هم أنفسهم في شغل شاغل عنها، فقد تولى "هرمز Ormidus" زمام الملك بعد وفاة سابور سنة 271م، وكان رجلاً ضعيفاً، وفي الآن ذاته حدثت فتن داخلية...‏

وهناك من يذهب إلى أن الفرس قد جاؤوا لنجدة زنوبيا في مطلع شهر الحصار الخامس، فقد رآهم مراقبو الأبراج الشاهقة وانتشر الخبر في تدمر، وفرح التدمريون وأخذوا يتبادلون القبلات في الشوارع، وقد نسوا شبح المجاعة، ولكن أورليانوس أرسل كتائبه لاستقبالهم ووقعت معركة حامية على بضعة أميال من تدمر، تغلب فيها الرومان وسدوا الطريق على النجدة الفارسية.‏

وعلى الرغم من أن زنوبيا علمت بنبأ المدد العظيم الذي وصل إلى القوات الرومانية المحيطة بتدمر، فإن اليأس لم يعرف طريقاً إلى قلبها، وقررت أن تذهب بنفسها إلى فارس لطلب النجدة. وغادرت مدينتها عبر نفق سري، بمزيد من التكتم والحيطة. ثم امتطت ناقة واتجهت بها نحو الفرات، فوصلت سالمة حتى الدير -دير الزور- قريباً من "زلبية"، وهناك أدركتها كوكبة من أفضل فرسان الروم، كان القيصر قد أرسلهم إذ علم بمغادرة زنوبيا ليقتفوا أثرها ويقبضواعليها، مهما كلفهم الأمر.‏

لووصلت إلى الشاطئ الثاني..‏

كانت زنوبيا تهم بوضع نفسها في زورق لينقلها إلى الشاطيء الثاني من الفرات، عندما انقض الفرسان عليها.. فقبضوا عليها وجاؤوا بها إلى القيصر أورليانوس .‏

.. وحين علم التدمريون أن ملكتهم العظيمة أمست في الأسر، كان الحصار مع الجوع والإرهاق، قد نال منهم تماماً.. وعلى الرغم من ذلك، فقد رأى بعضهم الاستمرار في الدفاع وعدم تسليم المدينة، مهما يكن من أمر. ورأى آخرون فتح الأبواب والاستسلام.‏

وفتحت أبواب تدمر في مطلع سنة 273م وقبض أورليانوس على حاشية الملكة السابقة ومستشاريها ومن كان يحرض على معارضة الرومان، واستصفى أموال الملكة وجميع كنوزها، وأخذ زنوبيا، ومن قبض عليهم معه، وتوجه بهم إلى حمص: ونصب حاكماً رومانياً على تدمر، وجعل في إمرته حامية من ستمئة من الرماة.‏

وهكذا أعادت روما بسط سيطرتها على الشرق في مصر والشام، ولم يبق أمام أورليانوس، إلا أن يدخلها متوجاً بالغار.. ومعه الملكة العربية العظيمة زنوبيا. ولكن حادثين وقعا، في هذه البلاد لم يسمحا لفرحه أن يكتمل، وكانا متشابهين تماماً، دون أن تكون وراءهما إرادة واحدة. وقعا دون اتفاق ليشيرا إلى ما سيحدث في القادم من الأيام، من اقتران في الواقع والمصير، بين الشقيقين مصر والشام.‏

كان أورليانوس في "تراقية" عندما جاءته أنباء الثورة في تدمر بقيادة "آبسوس Apsoeus" ضد الحاكم "سنداريون Sandarion" فقد آلت إلى القضاء عليه وعلى أفراد حاميته الستمئة. وبلغته أيضاً أخبار ما جرى في مصر، فإن الزعيم الوطني الثري (فيرموس Firmus) أنفق أموالاً طائلة على التجمعات المعادية لروما، وشكل جيشاً تمكن به من الاستيلاء على الاسكندرية، وجمع حوله أنصار زنوبيا، وأخذ يتفاوض مع التدمريين في توحيد الخطط والعمل بجد في تقويض الامبراطورية الرومانية في الشرق.‏

كان أورليانوس يدرك جيداً معنى انتصار الثورتين، فهو إشارة قاطعة إلى ابتعاد روما عن أهرائها، وإلى انقطاع الطرق دونها. إضافة إلى البعد السياسي الكبير الذي سيترتب على انحسار نفوذ القيصر.. والامبراطورية، قبل التلذذ بنكهة النصر... ولذلك فإنه بادر بالعودة إلى تدمر، في سرعة كبيرة أذهلت المدينة الثائرة، فهدمها وأعمل السيف في سكانها، وأباح لجنوده تهديم أبنية المدينة فدكت الأسوار وهدمت الأبراج وقوضت الأبنية.‏

.. ثم توجه أورليانوس نحو مصر للقضاء على الثورة الأخرى فيها، فاحتل الاسكندريةِ، وقبض على (فيرموس).. وصلبه. كان ذلك عام 273م.‏

ودخل أورليانوس روما في السنة التالية 274 في موكب كبير، لم يسبق له مثيل، سار فيه الجنود وأعضاء مجلس الشيوخ والوحوش الضارية. وكان بين الأسرى من مختلف الشعوب زنوبيا تسير مقيدة بسلاسل الذهب في عنقها وأطرافها. وكانت في الموكب مركبة (أذينة) زوج زنوبيا، وهي مزينة بالذهب والجواهر، ومركبة (زنوبيا) الخاصة التي أعدتها للدخول بها منتصرة.. إلى روما.‏

ثمة روايات كثيرة حول نهاية زنوبيا، منها أنها قضت منتحرة بتناول السم قبل بلوغ روما. وذكر "ملالاس" أن القيصر أطاح برأسها بعد موكب النصر. وهناك من قال إنها تزوجت من أحد أعضاء مجلس الشيوخ الروماني. على أن الأرجح أنها قضت بقية حياتها في "فيللا" خصت بها في "تيبور Tibur" على بعد عشرين كيلومتراً من روما، قرب قصر "هادريان"، وعاشت في عزلة في هذه البقعة المنعزلة.. متوحدة أو مع ولديها "وهب اللات" و"تيم الله Timolaus" .. وبناتها.. الذين رددت كتب التاريخ أقاويل مختلفة عنهم جميعاً، حتى قيل إنها زوجت بناتها بأعيان من الرومان..‏

هكذا تكثر الأقاويل وتنسج الأساطير، في مختلف الأزمنة، حول العظماء سواء، في سمتهم أو حضيضهم، حين يصعدون إلى الذرى، وعندما يهبطون نحو الدرك الأدنى..‏

وإذا كانت الألوان تبهت على مر الدهور، وتبلى الأوراق وتتساقط الصروح، وتصوّح الديار.. فإن السيرة الجميلة المضمخة بعطر التاريخ النقي تبقى، تلهم الأجيال التالية، وتعلمهم وتدلهم على الطريق الصحيح، مؤكدة أن الصواب يبقى صواباً مدى الدهر، وأن الحق يظل حقاً، مهما تغبر الأيام والسنون.‏

لقد قضي على حلم زنوبيا الجميل، وكانت قد قطعت أشواطاً عظيمة في الوصول إليه. وإذا كان في الناس من يرى أن على السياسي ألا يحلم، فإن السياسة هي في الأصل حلم كلها.‏

وها هم أولاء بنو أمية يحققون مشروع زنوبيا القومي بعد أقل من أربعمئة سنة في الامبراطورية التي امتدت أبعد من المحيط والخليج.‏

وها نحن أيضاً ندخل في الحلم -المشروع ذاته منذ أكثر من مئة سنة.‏

وسنظل -نحن العرب- غارقين في هذا الحلم، حتى نعمل عملاً جيداً، لتغدو الوحدة العربية حقيقة وواقعاً، كالشمس والهواء والماء والنار.‏