هل يمكن للمراهقة أن تكون شيئاً مختلفاً عما ننظر إليه؟
هناك حقب في التاريخ تبرز أكثر من غيرها؛ إذ تميز الأشخاص الذين عاشوا فيها بتقدمهم وتطورهم، مما جعل تلك الأوقات ذات أهمية ومكانة عظيمة، في حين كانت حقب أخرى على النقيض من ذلك تماماً.
في هذا المقال، سأعرض وجهة نظري وأسلط الضوء على الجيل الحالي أو كما يُطلق عليه شائعاً: "جيل التكنولوجيا". نحن نعيش في جيل يُقال عنه إنه "شباب المستقبل"، ولكن هل سيكونون حقاً شباب المستقبل؟ سيقول البعض نعم، لأنهم يعيشون في عصر التكنولوجيا التي ستغير العالم وتطوره. ومع ذلك، يجب أن نسأل أولاً: هل سيستخدمون التكنولوجيا فعلاً في الخير، أم بطريقة مظلمة ومدمّرة؟
جيل التكنولوجيا: هم أفراد تقع أعمارهم في مرحلة المراهقة. لا يمكنني تعريفهم بشكل صارم، إذ ينتمي بعضهم إلى "جيل زد "والبعض الآخر إلى"جيل ألفا". لذلك، سأسميهم "جيل التكنولوجيا" لأن الهواتف الذكية كانت في أيديهم منذ أن بدؤوا يكبُرون.
سيركز هذا المقال على أولئك الذين يحتاجون إلى اكتشاف أهدافهم وطموحاتهم تلك الطموحات التي دمرتها التكنولوجيا. نعم، لقد تسببت في ضياع العديد من المراهقين وارتكابهم للكوارث. أنا لا أقول إن التكنولوجيا سيئة بطبيعتها، بل إن الأشخاص الذين يستخدمونها هم من جعلوها تبدو سيئة في عيون الأجيال الأكبر سناً. وذلك لأن هؤلاء الشباب يحتاجون إلى التوجيه والمعرفة حول كيفية استغلالها لمصلحتهم ومصلحة العالم.
ومن خلال هذا المقال، نتساءل: هل من الممكن أن يصبح مراهقو اليوم من أعظم الشخصيات في التاريخ؟ وهل نحتاج حقاً إلى تغيير ما يُسمى بـ "المراهقة"؟ هذا ما سنستكشفه في هذا المقال إن شاء الله.
المراهقة كما يعرّفها المجتمع
المراهقة، كما نعرفها في المجتمع، هي فترة انتقالية في حياة الإنسان، تمثل تحولاً واضحاً بين الطفولة والبلوغ. ويُعرف معظم المراهقين بالتهور وعدم المسؤولية، باستثناء قلة منهم. وعلاوة على ذلك، قد يرتكبون أخطاءً جسيمة لا تُغتفر، ومع ذلك يتسامح الآباء معهم لمجرد أنهم "مراهقون".
ومع ذلك، فإن وجهة نظري معاكسة تماماً؛ فأنا أراها مرحلة تنقلنا من الطفولة إلى البلوغ، حيث يجب بناء المراهق ليتحمل المسؤولية ويتجنب الأخطاء المتكررة. لن أقول إنهم لن يخطئوا فالطبيعة البشرية معرضة للخطأ بطبيعتها ولكن لا ينبغي الغفران لكل خطأ تحت ذريعة المراهقة.
للأسف، تبدو مراهقة اليوم أسوأ بكثير من مراهقة الأجيال السابقة. وتكمن الكارثة في هذه الأجهزة، التي أصبحت بمثابة "سلاح خطير" يمتلكه شخص يفتقر إلى المعرفة بكيفية استخدامها الأخلاقي. كم من المشاكل الكارثية حدثت مع مراهقين أساءوا استخدام التكنولوجيا، سواء ضد أنفسهم أو ضد الآخرين والمجتمع؟ كل هذه العوامل تجتمع لتؤدي إلى أخطاء جسيمة تُرتكب بدم بارد.
إن أحد الأسباب التي تدمر المراهقة والتي يراها المجتمع أمراً طبيعياً لأنهم مجرد مراهقين هو الهاتف الذكي. سيتفق الكثير منكم معي في هذا، حيث أصبح العديد من المراهقين انطوائيين، يضيعون الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي و"الريلز" (Endless Reels) التي تسبب تعفن الدماغ (Brain Rot). ويعرف الكثيرون أن هذا المصطلح مدمر لذكاء الإنسان وعقله، خاصة وأن أدمغتهم لا تزال في مرحلة النمو. فالتعرض للضوء الأزرق أو المقاطع القصيرة اللامتناهية يمكن أن يفقد الدماغ مرونته ويبطئ من عمله. ومع مرور الوقت، يبدأ العقل في نقل هذه الصفات من جيل إلى جيل.
هذا بالضبط ما حدث مع أسلافنا، الذين ورثنا منهم عدة صفات نحتاجها اليوم، مثل حب الاستكشاف والفضول. في الماضي، كان لدى أسلافنا الفضول لاستكشاف ما يكمن وراء الجبال، وهذا أكثر ما أفاد التطور البشري؛ فلولا الفضول لما وصلنا إلى هذا المستوى من المعرفة والاكتشاف. للأسف، وبسبب الأجهزة التكنولوجية، توقف الكثيرون عن الاهتمام بالبحث واكتشاف أشياء جديدة، باستثناء أقلية. وكل ما ذكرته هو مثال يجب أن ننتبه إليه؛ فبعدم ترك هواتفنا، نتسبب في ضعف الدماغ، وانتشار الجهل، وقتل الفطرة الإنسانية السليمة في داخلنا وفي داخل الأجيال القادمة. وهذا بطبيعة الحال سيؤدي إلى تراجع الأمة بأكملها، مما يدمر العالم في النهاية.
علاوة على ذلك، هناك مشكلة يقع فيها المراهقون بشكل عام، والتي لاحظت أنها كانت موجودة أيضاً في العصور السابقة تحت مسمى "الحب". هذا الأمر يمكن أن يدمر حياة المراهقين حقاً. فقد يقع المراهق في حب شخص من الجنس الآخر ويتخيل نفسه في حالة عاطفية حقيقية. ومع ذلك، فهم ببساطة في فترة حساسة تتقلب فيها الهرمونات، وقد يشعرون بالانجذاب نحو الجنس الآخر، لكن لا ينبغي تسمية هذا حباً. بالنسبة لي وللكثيرين غيري: "الحب الحقيقي يأتي مع العشرة والزواج". كم من الناس تأذوا بسبب الحب خارج نطاق الزواج؟ في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، يبدأ الحب في التشكل بعد زواج الطرفين، ويتراكم مع مرور الوقت حتى يصبح حباً حقيقياً. وأقرب مثال على ذلك هو حب المرء لعائلته؛ فأنت تعيش معهم منذ بداية حياتك، مما يخلق رابطاً عاطفياً وهو حب العائلة. ولكن لو لم تعش معهم، هل كنت ستحبهم؟ أعتقد أن الإجابة واضحة.
وهناك خطأ آخر أتمنى لو كان بإمكاني تغييره وهو الجهل المحيط بالصحة النفسية وقلة الوعي فيما يتعلق بالتنمر. نحن خلق الله، وقد أحسن الله خلقنا، كما يقول في القرآن الكريم:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (سورة التين، الآية 4)
بالإضافة إلى ذلك، كل شخص لديه نظرة خاصة للجمال، لذلك ليس من الصواب التنمر على شخص آخر لمجرد أنه لا يعجب ذوقك الشخصي.
نصائح لتغيير العالم نحو الأفضل
إذا تم تطبيق هذه الخطوات، فستغير العالم بشكل كبير نحو الأفضل:
اقطع كل ما يؤثر سلباً على حياتك النفسية والجسدية: هذا هو ما يحسن نفسية المراهق، ويسمح له بالعيش في حياة هادئة بدلاً من التأثر بالأشخاص السلبيين والكلمات الجارحةالتي قد تدفعه إلى أفعال سيئة لمجرد الهروب من الحزن. ومن أفضل الطرق للتخلص من الحزن قراءة القرآن أو مساعدة الآخرين، وأنا أقول هذا بصدق عن تجربة شخصية؛ فعندما تقرأ القرآن أو تستمع إليه، ستشعر بطمأنينة عميقة، وعندما تساعد الآخرين وترى ابتساماتهم، فإن ذلك سيدخل الفرح إلى قلبك أيضاً.
التفكير النقدي (Critical Thinking): هذه واحدة من أهم المهارات التي تؤدي إلى تغيير طريقة التفكير نحو الأفضل. فبها لن تقتنع بأي شيء بسهولة، وهذا سيدفعك إلى البحث، ومن خلال البحث ستعرف المزيد وتصبح شديد الارتباط بالمعرفة. وعندما تشارك هذه المعرفة مع الآخرين، ستشعر بإنجاز عظيم. تثقيف المرء لنفسه—هل هناك ما هو أفضل من التعلم والبحث عن إجابات لما يدور حولنا؟ هذا سيساعد أيضاً في بناء الإبداع
لا تتبع عقلية القطيع لهذا الجيل: كما ذكرت سابقاً، غالباً ما يقع المراهقون في تقليد أفعال أقرانهم الآخرين من قبلهم أو من حولهم. حقاً، السلوكيات الحالية سيئة، ويجب ألا تتبع شيئاً يضرك لاحقاً، إلا إذا كان شيئاً إيجابياً. بعض هؤلاء المراهقين يمتلكون صفات عظيمة حقاً؛ فمن الأفضل مصادقتهم وترك القطيع. إن امتلاك الوعي هو فضيلة للمرء. والله إن الكثير من المراهقين وغيرهم قد ناموا عن حياتهم لأنهم أضاعوا وقتهم بدلاً من طلب العلم والوعي بما يحيط بهم.
أقولها مباشرة الآن: المراهقة فترة حرجة لبناء الذات، وليست مقصودة لتكون حياة مليئة بالخطأ تلو الخطأ تحت عذر التهور. نعم، العقل في هذه المرحلة لم ينضج بالكامل بعد، ولكن يمكننا بناؤه ليصبح أفضل في اتخاذ القرارات المستقبلية.
إن دور الآباء والمراهقين على حد سواء هو بناء المجتمع، وأنتم من يملك القدرة على تغييره. كم من الجهل تسبب في خسارتنا لطموحاتنا، وأخلاقنا، وأحبائنا؟ إذا بقينا محاصرين في سلبية القطيع، فلن نجد شيئاً يتبقّى لنا ليعيننا في هذه الحياة.
الآن، لقد وصلت إلى النهاية. أتمنى من أعماق قلبي أن أكون قد أفدت الآخرين بما تعلمته من تجربتي. صحيح أن هناك الكثير من المعلومات والعمق الأكبر لاستكشافه، لكني شاركت الأسس الجوهرية التي أراها الأكثر أهمية لبناء الشخصية وإعادة اكتشاف المراهق، الذي لا ينبغي أن يبقى على هذا الحال.
أود أن أعرف آراءكم في هذا المقال. أظن أنني أريد أن أكتب كتاباً.
التعليقات