هل أصبحنا نبالغ في الخوف من الذكاء الاصطناعي؟

خلال الفترة الأخيرة ألاحظ أن كثيرًا من النقاشات حول الذكاء الاصطناعي تنتهي إلى نفس النتيجة تقريبًا: "هذه الوظيفة ستختفي" أو "ذلك التخصص انتهى".

لكن عندما أنظر إلى الواقع أجد أن معظم المجالات ما زالت موجودة، وما يتغير غالبًا هو طريقة العمل والأدوات المستخدمة أكثر من اختفاء المجال نفسه.

حتى في المجالات التي تأثرت بشكل واضح، ما زلت أرى أن الأشخاص الذين يملكون خبرة وفهمًا عميقًا لمجالهم قادرون على الاستفادة من الأدوات الجديدة بدل منافستها.

لذلك أتساءل:

هل نحن أمام ثورة ستلغي عددًا كبيرًا من الوظائف فعلًا، أم أننا نمر بمرحلة مبالغة مشابهة لما حدث مع تقنيات كثيرة في السابق؟

وما المجال الذي تعتقدون أنه سيتأثر أكثر خلال السنوات الخمس القادمة؟


أعتقد أن الخطأ يقع في طرفين متعاكسين: طرف يعتقد أن الذكاء الاصطناعي مجرد "فقاعة" إعلامية، وطرف يتعامل معه وكأنه سيقضي على معظم الوظائف خلال سنوات قليلة. الواقع غالبًا بين هذين الطرفين.

التاريخ التقني يعلمنا أن التكنولوجيا نادرًا ما تلغي المهن بالكامل، لكنها تغيّر شكلها ومتطلبات ممارستها. ما حدث مع الحاسوب والإنترنت مثال واضح؛ اختفت بعض المهام الروتينية، لكن ظهرت أدوار جديدة وارتفعت قيمة المهارات التي يصعب أتمتتها.

الاختلاف هذه المرة أن الذكاء الاصطناعي لا يستهدف العمل اليدوي فقط، بل جزءًا من الأعمال المعرفية أيضًا. لذلك قد لا نرى اختفاءً واسعًا للمهن بقدر ما سنرى اختفاءً لعدد كبير من المهام داخل تلك المهن. الموظف الذي كان ينجز 10 مهام قد يصبح قادرًا على إنجاز 30 مهمة بالأدوات الجديدة، وهنا يكمن التأثير الحقيقي على سوق العمل.

برأيي، الخطر الأكبر ليس على أصحاب الخبرة العميقة، بل على الأعمال المتكررة والقابلة للتوحيد: إدخال البيانات، بعض أعمال خدمة العملاء، المحتوى النمطي، والترجمة أو التصميم في مستواهما الأساسي. أما الأدوار التي تعتمد على اتخاذ القرار، وفهم السياق، والتعامل مع البشر، وتحمل المسؤولية، فستتغير لكنها لن تختفي بسهولة.

خلال السنوات الخمس القادمة أتوقع أن يكون التأثير الأكبر في الوظائف المكتبية الروتينية أكثر من المهن المتخصصة أو الحرفية. ومن المرجح أن يصبح السؤال المهم ليس: "هل سيستبدلني الذكاء الاصطناعي؟" بل: "هل يستطيع شخص يستخدم الذكاء الاصطناعي أن يؤدي عملي بكفاءة أعلى مني؟" وهذا هو التحدي الحقيقي.