رأس الحكمة أم رأس الشيطان؟ دراسة في اقتصاد الوهم والأكاذيب

كيف يُباع الوهم؟

ما سنفعله هنا هو أن نضع الأرقام الرسمية المعلنة بجانب أرقام السوق العالمي المفتوح، ونترك للقارئ وحده الحكم.

الفصل الأول: كيف تباع الأصول في مصر أصلاً؟

قبل أن نتحدث عن رأس الحكمة، دعنا نتذكر كيف تدار عمليات البيع الحقيقية في مصر.

كثير منا تابع قصص بيع بنك القاهرة، وشركة الحديد والصلب، وشركات قطاع الأعمال. مفاوضات تمتد لعشر سنوات، لجان تقييم، مزايدات، اعتراضات من الجهاز المركزي للمحاسبات، ثم في النهاية تفشل الصفقة لأن أحداً لم يتقدم بسعر مناسب، أو لأن المستثمر انسحب.

فجأة، وبدون مقدمات، نستيقظ في صباح أحد الأيام لنجد بياناً يقول: تم بيع 170 مليون متر مربع، أي ما يعادل 40 ألف فدان، في صحراء تبعد 200 كيلومتر عن الإسكندرية، بلا ماء ولا كهرباء ولا طريق ممهد، بمبلغ 35 مليار دولار دفعت فوراً، و 150 مليار دولار استثمارات قادمة.

بالعقل: كيف يعجز جهاز الدولة لعشر سنوات عن بيع بنك واحد، ثم ينجح في يومين في بيع نصف الساحل الشمالي؟ هل بيع بنك أصعب من بيع مدينة بحجم دولة؟

هنا يبدأ الشك المنطقي. إن البيع الحقيقي يأخذ وقتاً، وله إجراءات، وله مشترون يفحصون ويتفاوضون. أما البيان الورقي فلا يكلف شيئاً. سطران على فيسبوك، بيان رسمي من شركة حكومية لشركة حكومية أخرى، وانتهى الأمر. لا أحد خسر شيئاً، لكن تم تحقيق الهدف الأهم: إظهار أن هناك دولارات دخلت، حتى لا يصل الدولار إلى مئة جنيه.

الفصل الثاني: حسبة التاجر البسيط التي تكذب كل شيء

أنت تاجر، وأنا تاجر، وكلنا نعرف قاعدة واحدة: كلما اشتريت كمية أكبر، حصلت على خصم أكبر. إذا اشتريت حبة تفاح بثلاثة دولارات، فإذا اشتريت مليون حبة يجب أن تأخذها بدولار واحد.

لكن في صفقة رأس الحكمة حدث العكس. سعر المتر في صحراء مطروح النائية بيع بـ 140 إلى 205 دولارات للمتر.

تعال نقارن هذا السعر بسعر الصحراء الحقيقي في العالم، من أسواق حرة وليست حكومية:

في صحراء كاليفورنيا بالولايات المتحدة، أغلى ولاية في أمريكا، يباع الفدان الصحراوي الخام بـ 10,531 دولاراً، أي 2.6 دولار للمتر.

في أكبر صفقة مدينة من الصفر في تاريخ أمريكا الحديث، مشروع California Forever، اشترت مجموعة مليارديرات وادي السيليكون 62,000 فدان صحراوي لبناء مدينة كاملة، بسعر 3.6 دولار للمتر. ومع ذلك لم يستطيعوا البناء حتى اليوم.

في إسبانيا، في صحراء ألميريا التي تشبه مطروح تماماً، تباع الأراضي الكبيرة الصالحة للاستثمار بـ 30 إلى 100 يورو للمتر.

فكيف تكون صحراء مطروح، بلا مرافق ولا تراخيص بناء أوروبية، أغلى من صحراء كاليفورنيا بخمسين مرة؟ الجواب: لأن كل هذه مجرد أوهام وخيالات لا يصدقها ولا يرددها الا المغفلون والحمقي وضعاف العقول .

الفصل الثالث: وهم الفيلا التي بثلاثمائة مليون

قالت البيانات الرسمية: فيلا بـ 324 مليون جنيه. وهذا الرقم هو مربط الفرس في صناعة الوهم.

324 مليون جنيه تعني 6.5 مليون دولار. هل يعقل أن يدفع إنسان 6.5 مليون دولار ليسكن في صحراء؟

دعنا نضع أمامه البدائل الحقيقية بنفس الفخامة ونفس المساحة، من مواقع عقارية عالمية مفتوحة:

في إيطاليا، في جزيرة سردينيا أجمل جزر المتوسط، فيلا بثلاث غرف بإطلالة بانورامية على البحر تباع بـ 135 ألف يورو فقط، أي 7 ملايين جنيه، ومعها إقامة شنغن أوروبية.

في قبرص الأوروبية، فيلا فاخرة ثلاث غرف على بعد 500 متر من البحر تباع بـ 400 ألف جنيه إسترليني، أي 25 مليون جنيه، ومعها جنسية أوروبية.

في بالي بإندونيسيا، جنة الله على الأرض، فيلا فاخرة تملك حر مطلق 450 متراً على الشاطئ تباع بـ 997 ألف دولار، أي 50 مليون جنيه، وتدر دخلاً سياحياً 10% سنوياً.

في البرازيل، في ولاية باهيا على المحيط الأطلسي، فيلا فاخرة 1200 متر بحديقة خاصة تباع بـ 650 ألف دولار.

في دبي نفسها، في نخلة جميرا التي هي أغلى مكان في الشرق الأوسط، فيلا 4 غرف جاهزة على البحر تباع بـ 4.5 مليون دولار. فكيف تكون فيلا طوب أحمر في مطروح تسليم 2029 أغلى من فيلا جاهزة في دبي؟

والأهم من السعر: من هو الأجنبي الذي سيدفع؟ الغني الحقيقي ليس أحمق. الغني رجل أعمال ذكي معه ماجستير ودكتوراه في إدارة المال. لا يوجد ثري في العالم معه ملايين ويرميها في صحراء. حتى السائح الخليجي الثري الذي تتحدثون عنه، هو في النهاية مواطن على قدر حاله و لديه أراضٍ كثيرة في بلده، ولن يدفع هذا الرقم.

الفصل الرابع: حساب الشاليهات الذي يهدم الأسطورة

تقول الشركة سنبني مدينة سياحية عالمية. لنحسبها بالورقة والقلم:

واجهة المشروع البحرية 50 كيلومتراً. الفيلا الفاخرة الحقيقية تحتاج 50 متراً واجهة على الأقل لترى البحر. إذن كل الواجهة لا تكفي إلا لـ 1000 فيلا فاخرة فقط.

1000 فيلا × 1 مليون دولار للفيلا الفاخرة جداً = 1 مليار دولار فقط إيراد.

حتى لو بنيت 10 آلاف شاليه متكدس فوق بعضه، لا يرى معظمها البحر، وفقدت كلمة "فاخر" وأصبحت "مساكن شعبية على البحر"، وفرضنا انك نجحت في بيعها بهذه الاسعار الكاذبة ، فإن إيرادك سيكون 10 مليارات دولار.

بينما تكلفة بناء مدينة حقيقية بمطار دولي ومارينا لليخوت ومحطة تحلية مياه ومحطة كهرباء وشبكة طرق هي 30 إلى 40 مليار دولار على الأقل. هذا ما كلفته مدينة الملك عبدالله الاقتصادية في السعودية التي تشبه رأس الحكمة تماماً وبقيت مدينة أشباح فارغة حتى اليوم، وما كلفته مدينة أوردوس في الصين التي كلفت 161 مليار دولار وبقيت فارغة بنسبة 90% وسميت أكبر مدينة أشباح في العالم.

فمن أين يأتي رقم 110 مليار دولار استثمارات؟ لا يأتي إلا من بيع الوهم على الورق.

الخاتمة: لماذا كل هذا؟

الجواب بسيط ومباشر : عندما كان الدولار ينهار، احتاجت الدولة إلى بيان يقول إن هناك 35 ملياراً دخلت. بيان لا يكلف شيئاً..الامارات حاولت ان تساعد مصر حتي لاتنهار ... شركة حكومية إماراتية تقول "سنستثمر إن شاء الله 35 ملياراً خلال 50 سنة"، وشركة حكومية مصرية ترد "أهلاً وسهلاً، استثمارات دخلت". قد تكون دخلت من باب وخرجت من الباب الآخر، لكن البيان بقي، والغرض تحقق: تهدئة السوق وخفض سعر الدولار مؤقتا .

وهذا ليس اختراعاً مصرياً. شركات كبرى في أمريكا وأوروبا فعلت نفس الشيء. شركة Enron كانت أكبر شركة طاقة في أمريكا وكل أرقامها كانت مزورة، وشركة Evergrande الصينية باعت مدناً كاملة على الورق.

اعملوا عقولكم يرحمكم الله .. إذا كان مرتب الوزير نفسه 50 ألف جنيه، فمن الذي سيدفع قسط شاليه 100 ألف جنيه شهرياً؟

هذه المقالة هي محاولة لإعمال العقل الذي أمرنا الله به. قال تعالى: "فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ". والاستخفاف لا يكون إلا عندما نصدق كل ما يقال دون أن نسأل: هل يعقل؟!!


-1

يحاول المقال تفكيك صفقة "رأس الحكمة" عبر مقارنات رقمية تبدو منطقية للوهلة الأولى، لكنها تسقط عند التحليل الاقتصادي الدقيق بسبب المغالطات والخلط بين مفاهيم تطوير المدن والتثمين العقاري، ونلخصه في النقاط التالية:

  • مغالطة المقارنة بين الأرض الخام والأرض الشاطئية الاستراتيجية: مقارنة سعر المتر في رأس الحكمة (المطلة مباشرة على البحر الأبيض المتوسط) بصحراء كاليفورنيا الداخلية أو صحارى إشبيلية هي مغالطة تثمين صارخة. العقار الاستثماري السياحي لا يُقاس بكونه "صحراء"، بل بموقعه الشاطئي (Beachfront Premium) وقربه من الأسواق الإقليمية. سعر المتر الشاطئي في الساحل الشمالي لمصر يتميز بالقرب الجغرافي من أوروبا والخليج وبمناخ دافئ مقارنة بشواطئ إسبانيا وإيطاليا المتجمدة شتاءً.
  • تجاهل طبيعة صفقات "التطوير المتكامل" مقال التطوير الفردي: استحضار أسعار الفيلات في سردينيا أو بالي (التي تباع كوحدات فردية سكنية) ومقارنتها بأسعار الفيلات في الساحل الشمالي يغفل أن رأس الحكمة ليست مجرد فيلا، بل مشروع تطوير سيادي متكامل يتضمن البنية التحتية، والمرافق، والمنتجعات العالمية، والامتيازات السياحية. كما أن أسعار "نخلة جميرا" أو الساحل الشمالي تخضع لطلب وإقبال سوقي حقيقي وخليجي مرتفع جداً يتجاوز القدرة الشرائية المحلية التي حصر الكاتب نفسه فيها بحديثه عن "مرتب الوزير".
  • الخلط بين السيولة التدفقية الحقيقية وبين البيان "الورقي": ادعاء الكاتب أن الـ 35 مليار دولار مجرد "بيان ورقي لتهدئة السوق" يتجاهل الواقع المالي والبنكي. الصفقة تضمنت تحويلات مالية فعليّة وتسوية لودائع إماراتية لدى البنك المركزي المصري (تم إثباتها في التقرير المالي للبنك المركزي وصندوق النقد الدولي)، مما أسهم بشكل مباشر في تحرير سعر الصرف وإلغاء السوق السوداء بشكل ملموس، وهو أمر لا يمكن لـ "بيان فيسبوك" أن يحققه.
  • تطبيق نموذج "واجهة البحر فقط" ومغالطة الهندسة المساحية: حساب الكاتب بأن المشروع يستوعب 1000 فيلا فقط بناءً على طول الواجهة البحرية (50 كم) يعكس جهلاً بالتخطيط العمراني للمدن الشاطئية. المدن الحديثة تُصمم بنظام الخطوط المتموجة والمصاطب المتدرجة (Terraced Landscaping) والقنوات المائية الاصطناعية (Lagoons) التي تتيح للآلاف من الوحدات في الصفوف الخلفية برؤية البحر والمياه بنفس الجودة، وليس مجرد بناء خط واحد مباشر على الشاطئ.
  • إسقاط نماذج الفشل العالمية دون النظر للنموذج المالي للمشروع: قياس رأس الحكمة على "مدينة الملك عبدالله" أو "أوردوس الصينية" مغالطة تشبيهية؛ فالأخيرتان بنيتا كمدن صناعية/سكنية نائية عن نطاق الإقبال السياحي، بينما رأس الحكمة تُبنى في منطقة ذات إقبال سياحي موسمي ومستدام مجرب بالفعل (الساحل الشمالي المصري) بتمويل مباشر وتطوير من مجموعة سيادية متخصصة (ADQ الإماراتية) تمتلك المحفظة التمويلية وشبكات التسويق الفندقي العالمي.