"العمل في الموارد البشرية ليس رفاهية، بل هو صمام الأمان الإنساني والمهني للمنظمة."

تناقلت الأوساط المهنية مؤخراً خبراً أثار الكثير من الجدل: الرئيس التنفيذي لشركة BOLT المالية يسرح جميع موظفي الموارد البشرية ويغلق القسم بالكامل، ليعلن بعدها بفخر أن المشاكل اختفت من الشركة!

للأغلبية، قد يبدو هذا الخبر صادماً أو متطرفاً. ولكن للممارسين الحقيقيين والخبراء الذين عركتهم التجارب لسنوات طويلة في هذا المجال، فإن هذا الخبر يحمل جانباً كبيراً من المنطق الذي لا يمكن إنكاره. الواقع يؤكد أن المشكلة لم تكن يوماً في "علم" الموارد البشرية كمنهجية لتنظيم العمل وتطوير رأس المال البشري، بل في "نوعية البشر" الذين أُوكلت إليهم هذه المهمة الحساسة.

في هذا المقال، ومن واقع خبرة مهنية طويلة، نفكك الأسباب الكامنة وراء هذه الفجوة، وكيف تحولت الموارد البشرية في بعض الأماكن من مصدر للحلول إلى منبع للمشاكل.

1. الفئتان: الإنسانية الواعية مقابل البيروقراطية الجافة

خلال الرحلة المهنية في قطاع الموارد البشرية، يسهل تصنيف العاملين في هذا المجال إلى فئتين متناقضتين تماماً:

  • الفئة الأولى (أصحاب الأثر والإنسانية): زملاء وزميلات يدركون أن خلف كل رقم وظيفي يوجد إنسان، وأسرة، وتطلعات، ومخاوف. هؤلاء يمارسون عملهم بوعي مهني رفيع، ويسعون بصدق لخدمة الموظفين، والاهتمام برعايتهم ورفاهيتهم النفسية والجسدية، لأنهم يدركون أن رضا الموظف هو الوقود الحقيقي لإنتاجية الشركة.
  • الفئة الثانية (شرطة اللوائح الباردة): أشخاص يفتقرون للحد الأدنى من التعاطف الإنساني، يرون الموظفين مجرد "تروس" في آلة، ويتعاملون مع المشكلات الإنسانية المعقدة ببرود إداري جاف ونصوص جامدة. هؤلاء هم من حوّلوا مفهوم الـ HR في عقول الناس إلى "مكتب للتحقيقات والعقوبات" وتصيد الأخطاء.

2. الفخ الكلاسيكي: غياب اختبارات الذكاء العاطفي والاجتماعي

المفارقة العجيبة أن الشركات تنفق أموالاً طائلة لاختبار مهارات المطورين والمهندسين والماليين قبل توظيفهم، بينما يتم اختيار موظفي الموارد البشرية أحياناً بناءً على شهادات أكاديمية جافة أو قدرة على الحديث المنمق، مع إغفال أهم المقومات على الإطلاق:

  • الذكاء العاطفي (EQ): القدرة على قراءة مشاعر الموظف، وفهم مسببات الاحتراق الوظيفي، واحتواء الغضب والإحباط قبل أن يتحول إلى استقالة أو تعطل للعمل.
  • الذكاء الاجتماعي والنفسي: مهارة التفاوض، وحل النزاعات بطريقة (Win-Win) دون إشعال بيئة العمل بالفتن والشللية.

العاملون في الموارد البشرية دون هذه الأسس النفسية هم بمثابة "أطباء بلا تعاطف"؛ يشخصون خطأ، ويعالجون الأزمات بقرارات تزيد من احتقان الموظفين وتفجر المشاكل بدلاً من تهدئتها.

3. حوكمة الموارد البشرية: من يراقب الحراس؟

الخطأ الأكبر الذي ترتكبه الإدارات العليا هو إعطاء صلاحيات واسعة ومطلقة لقسم الموارد البشرية دون وجود "رقابة صارمة وأدوات تقييم دورية ومستقلة". لكسر هذا الاحتكار وحماية بيئة العمل، يجب تطبيق الآتي:

  1. استبيانات الموظفين السرية والمستقلة (Anonymous Feedback): يجب تقييم أداء فريق الموارد البشرية دورياً من قِبل الموظفين أنفسهم. يجب أن تسأل الإدارة الموظفين: هل تشعر بالأمان عند الذهاب للـ HR؟ هل يساعدك هذا القسم على حل مشكلاتك أم يزيدها تعقيداً؟
  2. التقييم الدوري الشامل (360-Degree Evaluation): إخضاع قيادات الـ HR لتقييمات صارمة تكشف مدى التزامهم بالعدالة والشفافية ومكافحة الانحياز الشخصي والشللية داخل المؤسسة.
  3. الربط بالأثر والإنتاجية: قياس أداء القسم بناءً على مؤشرات حقيقية مثل: انخفاض معدل دوران الموظفين (Retention Rate)، سرعة حل النزاعات ودياً، وتحسن مناخ العمل العام.

إغلاق قسم الموارد البشرية بالكامل كما فعلت شركة BOLT قد يكون حلاً مؤقتاً ومثيراً للتخلص من بيروقراطية مريضة، لكنه ليس حلاً مستداماً للشركات الكبرى.

الحل الحقيقي والناضج لا يكمن في إلغاء التخصص، بل في "تنقية المنظومة"؛ اختيار من يعملون بإنسانية ووعي مهني دقيق، وتطبيق حوكمة صارمة تضمن ألا يتحول حماة الموظفين إلى خصومهم. عندما تختار الموارد البشرية بذكاء، وتراقب أداءهم بصرامة، ستختفي المشاكل وتزدهر العافية المهنية للمنظمة بأكملها.