تُشير الأدبيات الاقتصادية والنفسية إلى أن العلاقة بين الوقت والإنتاج ليست علاقة طردية مطلقة.
فعلى عكس الآلات التي تعمل بكفاءة ثابتة طالما توفرت الطاقة، يخضع الإنسان لـ "قانون العائد المتناقص".
هذا القانون يخبرنا أن الساعة العاشرة من العمل لا تمنحنا نفس قيمة الساعة الأولى؛ بل قد تصبح عبئاً يتسبب في أخطاء إدارية وتقنية تتطلب ساعات أخرى لإصلاحها.
"الساعات الذهبية" وسقف التركيز البشري
تؤكد الدراسات الحديثة في علم الأعصاب أن الدماغ البشري يمتلك مخزوناً محدداً من "الطاقة الإدراكية".
غالبية المبدعين والمنجزين يحققون اختراقاتهم المهنية في فترات تتراوح بين 3 إلى 4 ساعات من العمل العميق (Deep Work).
أما ما يتبقى من يوم العمل التقليدي، فهو غالباً ما يذهب في الأنشطة اللوجستية والاجتماعية.
لذا، فإن تحديد 7 إلى 8 ساعات كمعيار يومي لم يكن وليد الصدفة، بل هو محاولة لخلق توازن بيولوجي يتيح للعقل استعادة نشاطه عبر النوم والراحة، مما يضمن تدفق العطاء في اليوم التالي بنفس الجودة.
التحدي المؤسسي
إن لجوء بعض المؤسسات لسياسة الساعات الإضافية لمواجهة ضغوط السوق قد يحقق مكاسب آنية سريعة، إلا أن الضريبة تظهر على المدى البعيد في صورتين:
- الاحتراق الوظيفي: حيث تفقد المؤسسة كفاءاتها العالية نتيجة الإجهاد التراكمي.
- تراجع الإبداع: لأن العقل المرهق يميل لاتباع المسارات الآمنة والروتينية بدلاً من الابتكار.
- تراجع جودة العمل، وإتقان أقل.
نحو رؤية مستدامة للعمل
إن الانتقال من ثقافة "الحضور" إلى ثقافة "الأداء" يتطلب تبني استراتيجيات تعزز جودة الساعة لا عدد الساعات، ومنها:
- تفعيل فترات الراحة القصيرة: لإعادة شحن التركيز الذهني.
- دعم التوازن الاجتماعي: إدراكاً بأن الموظف المستقر اجتماعياً ونفسياً هو الأكثر تركيزاً وإخلاصاً في عمله.
- المرونة الذكية: التي تسمح للإنسان بالعمل في أوقات ذروته الذهنية.
خاتمة: إن العبرة في عالم الأعمال المعاصر لم تعد بمن يقضي وقتاً أطول في مكتبه، بل بمن يستطيع استثمار طاقته الذهنية بأعلى كفاءة ممكنة. الاستدامة هي أن نعمل لنعيش ونبدع، لا لنعمل فقط؛ فالإنجاز الحقيقي هو ثمرة عقل مرتاح ونفس متزنة.
برئيك ما هي الاستراتيجية الإدارية المناسبة لساعات العمل؟
التعليقات