تحدثت اليوم مع أحد الزملاء في حسوب عن التطوير في القطاع الحكومي، حيث تبيّن بعد النقاش بأنّ تزمّت بعض الإدارات باستخدام الوسائل التقليدية هو ما يؤخر الكثير من العمليات الإجرائية التحديثية على مستوى المؤسسة. هذا الأمر أعادني للمقال الذي نشرته بالأمس والذي يتحدث عن مقاومة التغيير.
لكنني هنا لستُ للحديث عن مقاومة التغيير بمعناه، وإنما للحديث عن فكرة تأسيس قوى ضاغطة تعمل بشكل متكاتف لمقاومة الإجراءات الإدارية العقيمة أو القرارات السلطوية التي لا تحتكم للصواب.
من واقع مهنتي سأطرح حالة عاشتها مؤسستنا قبل سنوات، في تلك الحقبة اتخذ أحد الرؤساء بموافقة المجلس الأعلى لدينا قراراً مجحفاً بحقّ الموظفين، تمّ بناء عليه حرمان موظفي المؤسسة من العديد من الامتيازات التي كنّا نتمتع بها، حينها نشأت الاعتراضات والرفض من قبل الكوادر، الأمر الذي تمّ بناء عليه قيام مجموعة من الموظفين باعتصامات متتالية، مما أدى إلى:
1. توقف العمل في المؤسسة.
2. تأخير إتمام معاملات استثمارية بالملايين.
3. نشوب مشاكل بين الموظفين بسبب وجود موظفين مع الأمر وآخرون ضدّه.
وقفت الإدارة متمسكة برأيها رافضة فتح أيّ باب للحوار، حتى تفاقم الأمر واستفحل، في النهاية صدرت الإرادة الملكية بحلّ مجلس المفوضين وتعيين رئيساً جديداً للمؤسسة ترك له خيار اختيار المجلس الذي يعاونه باتخاذ القرارات.
هذا الأمر جعل العقلاء من الكوادر يفكرون جدياً بإنشاء نقابة للموظفين تحفظ حقوقهم، لكن المؤسسة كانت قد قامت بخطوة استباقية، حيث ضمنّت تشريعاتها وقوانينها مواداً تمنع وجود النقابات، وهو ربما ما قد نجده في أغلب مؤسساتنا، بأنها قد قامت بتغطية وحماية نفسها ضدّ إنشاء مثل هذه النقابات.
ما أرغب بنقاشه معكم اليوم، إن كان إنشاء نقابة مسألة تحتاج لخطوات طويلة، وقد تكون مرفوضة وفق التشريعات، وحدث بأنّ شعرنا بأنّ مؤسستنا تعاني من ترهل ما، أو مشكلة تتفاقم، ولدينا هدف تطويري، لماذا لا يقوم المتفقون على الأمر إلى إنشاء قوى ضاغطة ولتكن (تكتلات) من خلال تنظيم جماعي للعمال لتحقيق غرض معين قد يتمثل في زيادة الأمن الوظيفي، أو تحسين ظروف العمل، أو تغيير قرار أدى لإضرار عام، وينتهي عمل هذا التكتل بانتهاء الغرض منه؟.
لماذا ننتظر دوماً مَن يقرع الجرس، فإن أصابه ضرر تأذى وحده، وإن أصابته منفعة ينتفع الجميع؟ ألا يستحق الأمر بعض المحاولة أم أنّ مثل هذه التكتلات قد تكون أداة تخريبية بأيدي المغرضين والمحرضين؟
لدينا في مصر هذه الفكرة أيضا، التكتلات بكل ما تحمله من أمال ووحدة صف وما إلى ذلك لا يمكنها فعل شيء على أرض الواقع لأنها وببساطة لا ترتكز إلى أي جانب قانوني أو عرف مجتمعي حتى بما أننا لسنا في الغرب وفكرة الحرية في التعبير غير موجودة في قاموس المجتمع العربي أو حتى مؤسساته الحكومية بمعني أننا فقدنا الميزتين القانونية والمجتمعية.
ولما كان الهدف هو الوصول إلى حل لمشكلة بسبب قرار اتخذ من جانب الإدارة تبدأ الملاحقات الأمنية لأنك الآن أصبحت تعارض سياسة الدولة أو قانونها بمعنى أصح. وهذا ما لا ينبغي فأنت الآن تقف في جهه المخربين والعملاء.
التكتلات في نظري هي فكرة مائعة وقد تلجأ لها الدولة أو السلطة الحاكمة لتهميش دور النقابات وبالتالي تكون الدولة أمنت نفسها من الملاحقات القضائية والمحاسبة لأنها قامت باستبدال دور النقابة بجهه أخرى وهي التكتل الذي بالطبع يفتقر إلى المرتكز القانوني كما أوضحت سابقا وبالتالي ليس له الحق في مطالبة الحكومة بأي شيء. وهنا ربما يرد القارئ علي بأنه مازال الضغط موجودا سأقول له نعم، لكن من منا لا يعمل تحت ضغط، الموظف الحكومي المسؤول عن هذه المؤسسة لن يلتفت إلى تلك الضغوط لسبب وجيه "أنه موظف حكومي" يضمن مرتبه كل شهر ويستفيد من قراره كل دقيقة فلماذا يلتفت إلى تلك الضغوط
الحل
جعل النقابة هي القائم بكل شيء، وهذا يأتي من التشديد المجتمعي على فكرة وجود النقابات لكل أنواع الموظفين والمؤسسات الحكومية وهذا يضمنه الدستور للبلاد
نحن في مصر لدينا تاريخ كبير في العمل النقابي وكان له أثر كبير حتى الآن في حماية المواطن لكنها طبعا منذ بداية الثمانينات وحتى الآن أخذت في التراجع نتيحة الاختراق الأمني لها وتعينات بالجملة لموظفين مشهورين بارتباطهم الوثيق بالقوى الأمنية.
لكن أشدد أن التكتلات ربما تكون دعما من الدولة لتهميش دور النقابة وبالتالي الوصول لحالة من التشتت بين الجانبين وحدوث الشقاق.
عندما طرحت فكرة التكتلات يوسف، كان لتلك المؤسسات التي يُمنع تشكيل النقابة فيها، طبعاً من السهل على متخذ القرار تعديل التشريعات لتجيز ذلك، لكنك تدرك أن إجازة الأمر هو مسألة ستوقع الإدارات بمشاكل سببها خلق قوى متتالية، ولذلك لن تقوم مؤسسة بتشريع الأمر حتى وإن كان هنالك ضغط على إنشاؤه.
لدينا في مصر هذه الفكرة أيضا، التكتلات بكل ما تحمله من أمال ووحدة صف وما إلى ذلك لا يمكنها فعل شيء على أرض الواقع لأنها وببساطة لا ترتكز إلى أي جانب قانوني أو عرف مجتمعي حتى بما أننا لسنا في الغرب وفكرة الحرية في التعبير غير موجودة في قاموس المجتمع العربي أو حتى مؤسساته الحكومية بمعني أننا فقدنا الميزتين القانونية والمجتمعية.
قد أتفق معك بعدم شرعنة الأمر وبذلك لا مظلة قانونية تحميه، ولكن لماذا افترضت افتقاد الأمر للميزة المجتمعية؟ ولماذا يرفض المجتمع ذلك إن كان فيه تحقيق عدالة مرجوّة؟
نحن في مصر لدينا تاريخ كبير في العمل النقابي وكان له أثر كبير حتى الآن في حماية المواطن لكنها طبعا منذ بداية الثمانينات وحتى الآن أخذت في التراجع نتيحة الاختراق الأمني لها وتعينات بالجملة لموظفين مشهورين بارتباطهم الوثيق بالقوى الأمنية.
كيف يعني اختراق أمني لعمل النقابة، أو تعيينات مرتبطة بالقوى الأمنية؟
لدينا، النقابة تخضع لانتخابات، فيقوم النقابيون بترشيح من يرونهم مناسبين ليكونوا المتحدثين عنهم والذين يديرون الأعمال النقابية، بمعنى أن الانتخابات يقوم بها المستفيدون، فكيف يكون هنالك ارتباط بجهات خارجية إلا لو كان النقابيون أنفسهم من أولئك الذين يقومون بالأمر لغايات تخريبه وليس لإنجاحه، فهل هذا ما يحدث؟؟
التكتلات في نظري هي فكرة مائعة وقد تلجأ لها الدولة أو السلطة الحاكمة لتهميش دور النقابات
أتفق معك في حال وجدت النقابات، ولكن إن لم تكن موجودة ولا يوجد تشريع لإنشائها ما الحلّ البديل برأيك يوسف؟
قد أتفق معك بعدم شرعنة الأمر وبذلك لا مظلة قانونية تحميه، ولكن لماذا افترضت افتقاد الأمر للميزة المجتمعية؟ ولماذا يرفض المجتمع ذلك إن كان فيه تحقيق عدالة مرجوّة؟
سبب ذلك هو عدم تفهم الناس لمفهوم حرية التعبير أو الاعتراض بشكل عام، لقد أتخذت الدولة قرار سواء أنا متضرر أو نصف متضرر هذا لا يولد بداخلي أي شعور بالمطالبة بحقي ربما لا يتعدى الأمر لوقفة احتجاجية.
الأهم من كل ذلك هو المجتمع بشكل عام والإعلام بشكل خاص الذي سيشيطن كل من بداخل هذه التكتلات لأنهم يعيقون التطور وتنفيذ القرارات بغض النظر أن هؤلاء الناس يبحثون عن حقهم وبالتالي أصبح المجتمع هنا عديم الفائدة.
لدينا، النقابة تخضع لانتخابات، فيقوم النقابيون بترشيح من يرونهم مناسبين ليكونوا المتحدثين عنهم
كذلك نحن لكن الاختراق الامني لا يحدث في أيام هو يأخذ سنوات حتى يقوم باستبدال كل الأحرار داخل النقابة بعملاء للأجهزة الأمنية وبالتالي سيتغير الكادر الإدارة للنقابة نفسة مع الوقت حتى يصبح بالكامل موالي للحكومة وسياستها .
فكرة الإنتخاب هنا أصبحت لا تأتي بجديد لأنها تتم برعاية أمنية.
أتفق معك في حال وجدت النقابات، ولكن إن لم تكن موجودة ولا يوجد تشريع لإنشائها ما الحلّ البديل برأيك يوسف؟
لا لن أقول التكتلات هههه لأني كما قلت تفتقر إلى العامل التنظيمي القانوني. ربما هناك بعض الوسائل الأخرى التي لا أعرفها
سبب ذلك هو عدم تفهم الناس لمفهوم حرية التعبير أو الاعتراض بشكل عام، لقد أتخذت الدولة قرار سواء أنا متضرر أو نصف متضرر هذا لا يولد بداخلي أي شعور بالمطالبة بحقي ربما لا يتعدى الأمر لوقفة احتجاجية.
الأهم من كل ذلك هو المجتمع بشكل عام والإعلام بشكل خاص الذي سيشيطن كل من بداخل هذه التكتلات لأنهم يعيقون التطور وتنفيذ القرارات بغض النظر أن هؤلاء الناس يبحثون عن حقهم وبالتالي أصبح المجتمع هنا عديم الفائدة.
برأيي أنك تقيس الأمر على ما يحدث فعلياً في الشارع العام، وليس في مجال الأعمال، أم أنني مخطئة؟
نعم محق أنت فيما عكسته إن كان الأمر متعلق بآراء الآخرين لما يحدث سياسياً أو اقتصادياً في البلاد. ولكن تعال نأخذ الأمر على على الحالة التي حدثت بمؤسستي:
- تمّ إقرار التقاعد المبكر ليتم إنهاء خدمات الموظف حال بلوغه الـ45، ودون ان يتم إعلامه بذلك بشكل مسبق. (قد يبدو هذا فائدة للجيل الجديد الباحثين عن عمل، ولكن هذا القرار شكل مصيبة لأن أغلب الموظفين ملتزمون بقروض مالية لن يمكنهم الراتب التقاعدي من الوفاء بها).
- تم وقف مكافأة نهاية الخدمة لكلّ كوادر المؤسسة.
- تم وقف المكافأة الشهرية المبنية على عنصر الانتاجية، يعني الذي يعمل والذي لا يعمل في الميزان سواء.
- تم رفض إنشاء حضانة لأبناء الموظفات.
- تمّ رفض إنشاء نادي للموظفين، في الوقت الذي تقوم به مؤسستي بتقديم هذه الأراضي لمؤسسات أخرى لخدمة موظفيها.
- تم وقف خدمات البوفيه ومنع إنشاء كافتيريا في المؤسسة. (بمعنى أحضر قهوتك معك ولتبقى معك طيلة اليوم).
- تم وقف التأمين الصحي الخاص، والاكتفاء بالتأمين الحكومي.
- تم وقف توصيل الموظفين من أماكن سكنهم إلى العمل والعكس.
- تم رفض إنشاء صندوق التكافل الاجتماعي أو صندوق ادخار للموظفين.
والقائمة ما تزال قابلة للزيادة، برأيك قرار مثل هذا هل سيلاقي عدم تفهم من الناس؟؟ من هم الناس أصلاً؟ سيكونون أب/أم أو أخ/أخت أو زوج/زوجة أو ابن/ابنة أحد الموظفين، في مؤسسة يصل عدد موظفيها قرابة 3000 موظف، هل سيرى المجتمع أنّ اعتراض الموظفين قد جانب الصواب؟
كذلك نحن لكن الاختراق الامني لا يحدث في أيام هو يأخذ سنوات حتى يقوم باستبدال كل الأحرار داخل النقابة بعملاء للأجهزة الأمنية وبالتالي سيتغير الكادر الإدارة للنقابة نفسة مع الوقت حتى يصبح بالكامل موالي للحكومة وسياستها .
فكرة الإنتخاب هنا أصبحت لا تأتي بجديد لأنها تتم برعاية أمنية.
ربما يكون الأمر لدينا أكثر حرية من ما يحدث.. فما يزال هنالك من يقومون بالأمر الصواب لأنهم يدركون أن مثل هذه النقابات ستشكل مستقبل أبنائهم وستحميهم حين يتركون أعمالهم.
لا لن أقول التكتلات هههه لأني كما قلت تفتقر إلى العامل التنظيمي القانوني. ربما هناك بعض الوسائل الأخرى التي لا أعرفها
لن يكون هنالك أية بدائل يوسف صدقني، الأمر لا يتوقف عند نقابة أو لا شئ سوى ذلك..
المؤسف، إن لم يتم اتخاذ أي إجراء (والحديد حامي) لن يحدث أي إجراء مستقبلاً.
المؤسف، إن لم يتم اتخاذ أي إجراء (والحديد حامي) لن يحدث أي إجراء مستقبلاً.
وانت ماذا توصلتم بعد كل هذه الاجراءات ؟
لم يكن لدينا تكتلات، ولم يكن لدينا نقابة.
خبرتك صدرت الإرادة الملكية بحلّ مجلس المفوضين وتعيين رئيس جديد.
مع الرئيس الجديد، والمجلس الجديد لم يحدث جديد، لكن المجلس الجديد اتخذ مجموعة من الإجراءات منها منع انشاء النقابات ووضع تشريعات لذلك (كانت خطوة استبقاية لتوجه الموظفين في حينه لإنشاء نقابة للموظفين)،
من جديد ظهرت قرارات من المجلس الحالي كانت مؤلمة فعلياً، ولكنها قبل اتخاذ هذه القرارات كانت قد غطت نفسها قانونياً وأحكمت الخناق على أي توّجه أو مبادرة يقوم بها الموظف، (بمعنى تمّ دراسة سلوك الموظف بشكل مسبق، واتخاذ القرارات الرادعة، ومن ثم اتخاذ القرارات التي أثرت على الوضع الاقتصادي للموظف).
وهذا ما جعلني أفكر بأمر التكتل، إن كانت المؤسسة احكمت الخناق على أيّ إجراء يحاول الموظف من خلاله رفض قرارات الإدارة العليا، فلم لا يجتمع الثلة الأكبر من الموظفين ويقومون بشرعنة اعتراضاتهم المبنية على تكاتف الجميع، ففي النهاية قد يكون هنالك كبش فداء لو قام بالإجراء شخوص محددون، لكن لن يكون ذلك سهلاً حين يكون الغالبية بظهر بعضهم، لأنّ أي إجراء بحق المطالبين يعني نهضة الجميع واعتراضهم معاً.
التعليقات