«لا زلنا وسنظل عالمًا ثالثًا ولو امتلكنا الفيراري»

​شاهدت بالأمس الفيلم الأمريكي You've Got Mail من إنتاج التسعينيات، ولفت انتباهي مدى سهولة العيش هناك دون معاناة الروتين والفوضى والضوضاء وصعوبة الحصول على الحقوق.

​حياتهم العادية البسيطة هي لدينا حياة مترفة لا تتوفر إلا لأصحاب النفوذ والأموال؛ أولئك الذين يتصنعون التحضر والرقي دون أن يشاركوا في صناعته، بل استولوا عليه فقط بما يملكونه من سلطة ومال.

​أدركت وقتها لماذا هم "عالم أول" ولماذا سنظل نحن "عالمًا ثالثًا"، حتى لو امتلك كل منا سيارة كهربائية وآيفون والتقط صورة مع كوب ستارباكس.

​الفكرة أن حياتهم المتطورة والمنظمة لم تأتِ فجأة ولم تكن مجرد صيحة أو "ترند"، بل هي تطور طبيعي وتدريجي يسهل على أي شخص بإمكانيات بسيطة التعامل معه والتكيف فيه دون إحراج أو شعور بالنقص. الوسائل لديهم هي مجرد أداة وصلوا إليها عندما وجدوا أنفسهم في حاجة الحقيقية للتطور، فأصبح المفهوم طبيعيًا ومستوعبًا من الجميع، دون الحاجة للتعلم في مدارس دولية أو الانتماء للطبقات الهاي كلاس.

​أما نحن، فتهبط علينا التكنولوجيا فجأة وكأنها سقطت من السماء دون إذن أو طلب منا، لنشعر حينها بالفجوة العميقة بين واقعنا اليومي وبين هذه الحياة التي فرضت علينا


المشكلة الأساسية في هذا الطرح تكمن في بناء حكم كامل على مجتمع استناداً إلى "فيلم سينمائي" يعرض جانباً وردياً ومثالياً، بينما الواقع هناك يواجه أزمات حقيقية كالقروض، الرعاية الصحية، والطبقية.

التطور في الغرب لم يكن رحلة "سلسة" بل جاء نتيجة صراعات تاريخية، والأهم من ذلك أن النظام هناك لا يقوم على الأخلاق أو الضمير الفردي، بل على قوة القانون وصرامة المنظومة؛ فالناس التزموا لأن كلفة المخالفة باهظة (غرامات، سجن، وتدمير للسجل الإئتماني)، ومع الوقت تحول هذا الالتزام المجبور إلى عادة ظاهرية، ودليل ذلك ظهور الفوضى والسرقات فور غياب الرقابة في الأزمات.

لذا، فإن ظن الكاتب أن هذا الرقي نابع من "طبيعة ناعمة وتطور تلقائي للناس" هو فهم قاصرة، كما أن "جلد الذات" واختزال مجتمعاتنا في كونها مجرد شعوب تُقلّد المظاهر هو تعميم يتجاهل أن التطور نتاج سيادة القانون وسياق تاريخي كامل، وليس مجرد خيار فردي.

شكرا لمشاركتكم القيمه