وقفتُ على شرفتي المطلة على الزقاق الضيّق القديم، حيث تشابكت أسطح المنازل وتداخلت الجدران المتراصة حتى أصبحت كتلة واحدة متماسكة.
جلستُ على الكرسي الخشبي المتهالك، ثم أشحتُ بنظري نحو السماء، وأسدلتُ جفنيّ كستارةٍ على مسرح؛ لأحلّق بخيالي إلى أبعد الحدود. تخيلتُ أن إطلالة شرفتي تطلّ على حديقة غنّاء، بآراضٍ وارفة الأشجار، وأزهارٍ متفتحة، وعصافير تُغرّد حول نافورة ماءٍ يلذّ لها النظر، ويدخل السرور إلى النفس.
لكنني في هذه اللحظة، استرجعتُ ذكرياتٍ لا أحبّ ذكرها.. لا أعلم لِـمَ تقتحم عليّ خلوتي وتعكّر صفو هذه اللحظات الهادئة؟ فتحتُ عينيّ منكرةً مشاهد محفورةً في الذاكرة، ظننتُ أني قد أغلقتُ عليها ألف باب.
نظراته تلاحقني كشبح، وصوته ضجيجٌ يؤرّق سكينتي، ومشاهد متلاحقة لأماكن وأحاديث لا أريد الآن سوى نسيانها. كيف السبيل إلى هروبٍ أبديّ من عامٍ مليءٍ بالأكاذيب؟ تلقّيتها من شخصٍ دخل عالمي واقتحم وحدتي بألاعيبه السحرية التي أبهرتني.. تلك الكلمات اللطيفة، واللمسة الحنونة، والنظرة المجنونة.
أمضينا أوقاتاً سادها المرح واللعب الطفولي، أحاديث مبهرة مغلفة باللطف والإعجاب، ودُسّت فيها كلماتٌ لم أستطع تفسيرها إلا كشغفٍ وشوق. وكم كان الانسحاب منها متعباً عندما اكتشفتُ أنانيته! كانت الصدمة أكبر من أن أصفها، صدمةً جعلتني أنطوي وأعود إلى وحدتي القاتلة بعد أُنسٍ كاذب.
كم كنتُ غبيةً حين صدّقتُ أني لمعتُ في عينيه كنجمة، ولاحقتني نظرته كأميرة، وتوّجني ملكةً على عرش قلبه.. ثم فجأة، انكسرت الصورة في المرآة المهشمة، ولم أرَ سوى تلك العجوز المنهكة.»
التعليقات